أفصحت وكالة «بلومبيرغ» للأنباء عن تطورات سياسية متسارعة في بودابست، حيث تقدمت حكومة رئيس الوزراء المجري الجديد، بيتر ماجيار، بمشروع تعديل دستوري تاريخي يقضي بتمهيد الطريق نحو عزل رئيس المجر الحالي تاماس سوليوك. وتأتي هذه الخطوة الجريئة كجزء من حزمة إصلاحات واسعة تهدف إلى تقليص نفوذ النخبة السياسية السابقة المرتبطة برئيس الوزراء السابق فيكتور أوربان، وإعادة صياغة المشهد الديمقراطي في البلاد بعد سنوات من الهيمنة الأحادية لحزب «فيديس».
صراع الصلاحيات ومساعي عزل رئيس المجر
وفقاً للتقارير الواردة، فإن التعديل الدستوري المقترح، والمتوقع إقراره بسهولة في ظل الأغلبية البرلمانية الساحقة التي حصدها حزب «تيسا» بقيادة ماجيار في انتخابات أبريل الماضي، سينهي ولاية الرئيس تاماس سوليوك قبل أوانها بأكثر من عامين. وكان سوليوك قد رفض مراراً دعوات التنحي طوعاً، مما دفع الحكومة الجديدة للتحرك تشريعياً. وصرح ماجيار عبر وسائل التواصل الاجتماعي مؤكداً أنه «لا يمكن البدء في إعادة بناء المجر إذا ظل أعلى مسؤول في الدولة هو الشخص نفسه الذي ساعد في هدم الجمهورية المجرية». ومن المقرر أن ينتخب البرلمان رئيساً جديداً خلال الصيف المقبل، لولاية مؤقتة تستمر حتى اعتماد دستور جديد للبلاد، حيث ستنطلق المشاورات الخاصة به في سبتمبر القادم.
تفكيك إرث فيكتور أوربان وإعادة التوازن الدستوري
لتفهم أبعاد هذا الصراع، يجب العودة إلى الحقبة التي تلت عام 2010، عندما أحكم فيكتور أوربان وحزبه القبضة على مفاصل الدولة المجرية. على مدار أكثر من عقد، قام أوربان بصياغة دستور وقوانين حدت من استقلالية القضاء وقيدت حريات الصحافة، مما أثار صدامات مستمرة مع الاتحاد الأوروبي. ويُنظر إلى الرئيس الحالي تاماس سوليوك، ورئيس المحكمة الدستورية بيتر بولت، كأعمدة رئيسية في هذا النظام. وتأتي التحركات الحالية لبيتر ماجيار كاستجابة مباشرة لسنوات من الاحتقان الشعبي والرغبة في تفكيك هذه البنية التشريعية التي عززت سلطة الفرد الواحد وإعادة الضوابط والتوازنات الديمقراطية.
إصلاحات قضائية ومالية عميقة لمكافحة الفساد
لا يقتصر المشروع الجديد على الرئاسة فحسب، بل يمتد ليشمل إصلاحات هيكلية عميقة. يتضمن التعديل تقليص مدة ولاية قضاة المحكمة الدستورية وفرض حد أقصى للسن يبلغ 70 عاماً، مما يعني إقصاء رئيس المحكمة الحالي بيتر بولت، الحليف الوثيق لأوربان والمدعي العام السابق، والذي سيبلغ الحادية والسبعين في سبتمبر المقبل. كما يعيد التعديل للمحكمة الدستورية سلطة الفصل في القضايا المالية والموازنة، وهي الصلاحيات التي كان أوربان قد قيدها سابقاً. بالإضافة إلى ذلك، سيتم قصر عضوية البرلمان على ثلاث ولايات فقط (بواقع 4 سنوات لكل ولاية)، وتجريد المجلس المالي من حق الفيتو على الموازنة العامة، مما يمنح الحكومة مرونة أكبر في إدارة الاقتصاد.
التأثيرات المتوقعة محلياً ودولياً
على الصعيد المحلي، يمثل هذا التحول زلزالاً سياسياً يعيد توزيع مراكز القوى ويفتح الباب أمام محاسبة حقبة أوربان، لا سيما مع التوجه لإنشاء هيئة وطنية لاسترداد الأصول المملوكة للدولة والتي يُعتقد أنه أسيء التصرف بها. وتأتي هذه الخطوة في وقت تراجعت فيه المجر إلى المركز الأخير بين دول الاتحاد الأوروبي في مؤشر الفساد السنوي الصادر عن منظمة الشفافية الدولية. أما إقليمياً ودولياً، فإن نجاح هذه الإصلاحات قد يمهد الطريق لإنهاء عزلة المجر داخل الاتحاد الأوروبي واستعادة تدفق المساعدات والميزانيات الأوروبية المجمدة بسبب مخاوف سيادة القانون، وإعادة المجر إلى المسار الرئيسي داخل الأسرة الأوروبية.


