كشفت تقارير حقوقية حديثة صادرة عن منظمتي “هيومن رايتس ووتش” و”أمنستي إنترناشونال” عن تصاعد مقلق في عمليات تجنيد الأطفال في إيران، حيث يتم زج القاصرين بدءاً من سن 12 عاماً في أدوار عسكرية وأمنية مرتبطة بالحرس الثوري الإيراني وقوات الباسيج. وتأتي هذه الخطوة الخطيرة وسط تصاعد الضغوط الداخلية والخارجية على طهران، مما يعكس نقصاً حاداً في القوى البشرية العسكرية، وزيادة الاعتماد على القوات شبه العسكرية للحفاظ على السيطرة في الجبهة الداخلية، خاصة مع تزايد التوترات والضربات المتبادلة مع الولايات المتحدة وإسرائيل.
السياق التاريخي لظاهرة تجنيد الأطفال في إيران
لا تعد ظاهرة تجنيد الأطفال في إيران وليدة اللحظة، بل تمتد جذورها إلى حقبة الحرب العراقية الإيرانية في ثمانينيات القرن الماضي. في ذلك الوقت، أسست القيادة الإيرانية قوات “الباسيج” (تعبئة المستضعفين)، والتي اعتمدت بشكل كبير على تجنيد الشباب والمراهقين وإرسالهم إلى جبهات القتال الأمامية. تاريخياً، استُخدم هؤلاء الأطفال في مهام خطيرة، مما أسفر عن خسائر بشرية هائلة. واليوم، يبدو أن السلطات تعيد إحياء هذه الاستراتيجية من خلال حملات جديدة مثل حملة “مدافعو الوطن لإيران”، والتي خفضت الحد الأدنى لسن التطوع إلى 12 عاماً، وتشجع الأطفال على التسجيل عبر المساجد والمدارس، مما يعيد إلى الأذهان تلك الحقبة المظلمة من استغلال القاصرين في النزاعات المسلحة.
أدلة موثقة: أطفال مسلحون في شوارع المدن
أكدت منظمة العفو الدولية (أمنستي) أن تجنيد ونشر الأطفال دون سن 15 عاماً يُشكل “جريمة حرب” مكتملة الأركان بموجب القانون الدولي. وقد دعمت المنظمة اتهاماتها بأدلة بصرية موثقة وشهادات حية. حيث حللت المنظمة 16 صورة ومقطع فيديو نُشرت مؤخراً، تُظهر أطفالاً يحملون أسلحة قتالية، من بينها بنادق هجومية من طراز (AK)، وينتشرون جنباً إلى جنب مع قوات الحرس الثوري والباسيج على الحواجز الأمنية وفي الدوريات العملياتية. كما رُصدت هذه الحالات في تجمعات رسمية في مدن كبرى مثل طهران، مشهد، وكرمانشاه. وتتعدى أدوار هؤلاء الأطفال المهام الداعمة لتشمل تسيير الحواجز والأنشطة الاستخباراتية، مما يضعهم مباشرة في خط النار ويعرض حياتهم لخطر محقق.
مأساة إنسانية: ضحايا التجنيد العسكري للقاصرين
وثقت التقارير الحقوقية حالات مميتة نتيجة هذه السياسات، من أبرزها مقتل الطفل “علي رضا جعفري” البالغ من العمر 11 عاماً فقط. قُتل الطفل على أحد الحواجز الأمنية في العاصمة طهران بينما كان يرافق والده، العضو في قوات الباسيج، جراء ضربة بطائرة مسيرة. وفي محاولة لتبرير الحادثة، صرحت السلطات الإيرانية الرسمية بأنه قُتل “أثناء أداء الخدمة”. ونقلت صحيفة “همشهري” عن والدة الطفل أن زوجها أبلغها بوجود نقص حاد في الأفراد على الحواجز الأمنية، مما دفعه لاصطحاب ولديه، مشيراً إلى أن أطفالاً في سن 15 و16 عاماً يشاركون عادة في هذه المهام الخطيرة. وقد وصف شهود عيان رؤية أطفال يلهثون من الجهد لمحاولة رفع البنادق الثقيلة، مما يبرز قسوة هذا الاستغلال.
التداعيات الإقليمية والدولية لانتهاك حقوق الطفل
يحمل هذا التصعيد تداعيات خطيرة على المستويين الإقليمي والدولي. فعلى الصعيد المحلي، يؤدي عسكرة المجتمع وزج الأطفال في الصراعات إلى تدمير النسيج الاجتماعي وخلق جيل مشوه نفسياً وجسدياً. أما إقليمياً ودولياً، فإن هذه الممارسات تزيد من عزلة طهران الدبلوماسية وتضعها تحت طائلة المساءلة القانونية. تصنف الأمم المتحدة تجنيد الأطفال في النزاعات المسلحة كـ “انتهاك جسيم”، ويحظر القانون الدولي الإنساني، بما في ذلك اتفاقيات جنيف وبروتوكولاتها الإضافية، تجنيد الأطفال دون سن 15 عاماً، ويحدد سن 18 عاماً كمعيار أساسي للمشاركة في الأعمال العدائية.
ورغم هذه التحذيرات، يدافع المسؤولون الإيرانيون عن هذه السياسة. فقد صرح رحيم ندالي، المسؤول في الحرس الثوري، بأن هناك “طلباً قوياً” من المراهقين للمشاركة، مبرراً بذلك خفض سن القبول. في المقابل، رد بيل فان إسفيلد من هيومن رايتس ووتش بحزم قائلاً: “لا عذر للحملة العسكرية التي تستهدف الأطفال للتطوع”. وقد دعت المنظمات الحقوقية السلطات الإيرانية إلى الوقف الفوري لهذه الممارسات وإطلاق سراح المجندين القاصرين، في حين امتنعت بعثة إيران لدى الأمم المتحدة عن التعليق، مما يترك الباب مفتوحاً أمام مزيد من التوترات والمخاوف الدولية بشأن سلامة الأطفال في ظل الصراعات الجارية.


