كشفت مصادر استخباراتية أمريكية رفيعة المستوى عن قيام إيران بخطوة تصعيدية جديدة تمثلت في عزل وإخفاء ما يقارب نصف طن من مخزونها من اليورانيوم المخصب الإيراني، مما يضع تحديات كبيرة أمام جهود الرقابة الدولية وأي مفاوضات مستقبلية. ووفقاً لتقرير شبكة “CNN”، عمدت طهران إلى تأمين هذا المخزون الحساس عبر إغلاق موقع تخزينه بشكل شبه كامل، من خلال تدمير أنفاق مؤدية إليه وزرع حقول ألغام في محيطه، وهي خطوة تجعل الوصول إلى هذه المواد النووية عملية بالغة التعقيد والخطورة.
تكتيكات إيرانية لتعقيد الرقابة وكسب الوقت
تُظهر هذه الإجراءات تحولاً في استراتيجية إيران، من مجرد زيادة كميات التخصيب إلى تأمينها بطرق تجعل استعادتها أو التحقق منها مهمة شبه مستحيلة في المدى القصير. وأكدت المصادر أن استعادة هذا المخزون لم تعد ممكنة إلا عبر عمليات حفر وإزالة ألغام معقدة وطويلة الأمد. ويرى خبراء أن هذه الخطوة تمنح طهران هامشاً كبيراً للمماطلة وكسب الوقت في أي محادثات دبلوماسية، حيث يمكنها استغلال صعوبة الوصول إلى الموقع كورقة ضغط. وفي هذا السياق، صرح سكوت روكر، الذي ترأس مكتب إزالة المواد النووية في الإدارة الوطنية للأمن النووي الأمريكية بين عامي 2017 و2021، بأن صحة هذه المعلومات ستعقد بلا شك عملية استعادة اليورانيوم، وقد تمنح إيران فرصة لإخفاء جزء من مخزونها أو التهرب من إثبات امتثالها الكامل لأي اتفاق مستقبلي.
خلفيات التوتر: سباق مع الزمن في الملف النووي
يأتي هذا التطور في سياق من التوتر المتصاعد المحيط بالبرنامج النووي الإيراني منذ انسحاب الولايات المتحدة من خطة العمل الشاملة المشتركة (الاتفاق النووي) في عام 2018. فبعد الانسحاب الأمريكي وإعادة فرض العقوبات، ردت إيران بالتخلي تدريجياً عن التزاماتها المنصوص عليها في الاتفاق، وقامت بتسريع وتيرة تخصيب اليورانيوم ورفع مستوياته إلى درجات نقاء تقترب من المستوى اللازم لصنع أسلحة نووية (90%). ورغم جولات المفاوضات المتقطعة التي هدفت إلى إحياء الاتفاق، لم يتم التوصل إلى حل، مما دفع إيران إلى المضي قدماً في تطوير قدراتها النووية، وسط قلق دولي وإقليمي متزايد من أنشطتها التي تفتقر إلى الشفافية الكاملة.
تداعيات إقليمية ودولية محتملة لإخفاء اليورانيوم المخصب الإيراني
إن إخفاء كمية كبيرة من اليورانيوم المخصب الإيراني بهذه الطريقة لا يمثل تحدياً تقنياً للمفتشين الدوليين فحسب، بل يحمل في طياته تداعيات جيوسياسية خطيرة. فعلى الصعيد الدولي، يزيد هذا الإجراء من انعدام الثقة بين طهران والقوى الغربية، ويقوض أي أساس للمفاوضات المستقبلية التي يجب أن تبنى على الشفافية والتحقق. أما إقليمياً، فإن هذه الخطوة تثير قلقاً بالغاً لدى دول الجوار، وعلى رأسها إسرائيل والمملكة العربية السعودية، التي ترى في البرنامج النووي الإيراني تهديداً وجودياً لأمنها، مما قد يدفع المنطقة نحو سباق تسلح أو مواجهة عسكرية.
واشنطن تستعد لجميع السيناريوهات المحتملة
في مواجهة هذه التطورات، أكدت تقارير إعلامية أن الجيش الأمريكي وضع خططاً للطوارئ بالتعاون بين وزارتي الدفاع والطاقة، بهدف تأمين المواد النووية الإيرانية في حال التوصل إلى اتفاق دبلوماسي. وأوضح مسؤولون أمريكيون مطلعون أن هذه الخطط تشمل سيناريوهات لتحديد مواقع اليورانيوم وتأمينه ونقله، وهي جزء من التخطيط العسكري الروتيني للاستعداد لمختلف الاحتمالات. وشدد المسؤولون على أن هذه المناقشات لا تمثل قراراً بتنفيذ عملية عسكرية، بل هي استعدادات احترازية تهدف إلى ضمان التعامل مع المواد الحساسة بشكل آمن في حال تغير المشهد السياسي والدبلوماسي مع إيران.


