تواجه جهود السلام في اليمن منعطفاً تاريخياً حرجاً يهدد بتقويض كافة المساعي الدبلوماسية التي بذلتها الأطراف الإقليمية والدولية على مدار السنوات الماضية. يأتي هذا التراجع الحاد نتيجة إصرار جماعة الحوثي على تبني خيارات عسكرية تصعيدية، والتهرب المستمر من الالتزامات الاقتصادية والإنسانية المتفق عليها. ومن خلال اختلاق ذرائع واهية واستهداف الحكومة الشرعية وتحالف دعم الشرعية بقيادة المملكة العربية السعودية، تسعى الجماعة إلى عسكرة مقدرات البلاد والزج بالشعب اليمني في أتون صراعات جديدة تخدم أجندات خارجية لا مصلحة لليمن فيها.
جذور الأزمة والمسار الدبلوماسي المتعثر
يعود الصراع في اليمن إلى انقلاب جماعة الحوثي على السلطة الشرعية في أواخر عام 2014، مما أدخل البلاد في حرب أهلية مدمرة وتسبب في واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية في العالم. ورغم الجهود الأممية المتكررة لإنهاء النزاع، فإن مسارات الحل السياسي ظلت تصطدم بتعنت الجماعة المستمر. وفي عام 2023، لاحت في الأفق بارقة أمل عقب التوصل إلى خارطة طريق برعاية الأمم المتحدة حظيت بموافقة مبدئية من الأطراف اليمنية. وسارعت الحكومة المعترف بها دولياً لإعلان قبولها بالخارطة كمدخل لسلام شامل، إلا أن الموقف الحوثي سرعان ما عاد إلى المماطلة والتهرب من التوقيع النهائي، مفضلاً الهروب نحو التصعيد العسكري الإقليمي.
كيف تؤثر عسكرة المنشآت على جهود السلام في اليمن؟
لم يقتصر التعنت الحوثي على المسار السياسي، بل امتد ليشمل تدمير البنية التحتية الحيوية وعسكرة المنشآت المدنية بشكل كامل. وقد رصد المراقبون استخدام الجماعة لمطار صنعاء الدولي وميناء الحديدة لأغراض عسكرية بحتة، مما عرض هذه المرافق الحيوية لضربات جوية دمرت أجزاءً واسعة منها. وفي خطوة تعكس استغلال معاناة الشعوب، عمدت الميليشيا إلى توظيف العواطف الشعبية تجاه القضية الفلسطينية كغطاء للتعبئة العامة والتجنيد القسري، ثم توجيه هذه الحشود نحو الجبهات الداخلية واستهداف الأراضي السعودية، مما يمثل ضربة مباشرة لـ جهود السلام في اليمن والاستقرار الإقليمي.
حرب اقتصادية ممنهجة وسياسة ضبط النفس
على الصعيد الاقتصادي، ردت الجماعة الحوثية على التسهيلات الإنسانية -التي شملت إبقاء مطار صنعاء مفتوحاً وتدفق السلع عبر ميناء الحديدة- بشن هجمات إرهابية استهدفت موانئ تصدير النفط في المناطق المحررة. هدفت هذه الهجمات بشكل مباشر إلى قطع الموارد المالية للحكومة الشرعية وتجويع المواطنين. وفي مقابل هذا التصعيد، التزمت الحكومة الشرعية والمملكة العربية السعودية بسياسة ضبط نفس صارمة لتفادي العودة إلى الحرب الشاملة، حيث قدمت السعودية دعماً مالياً مباشراً للميزانية اليمنية لضمان دفع رواتب الموظفين واستمرار الخدمات الأساسية.
قرصنة الأجواء واحتجاز مقدرات الناقل الوطني
تجسد تعنت الجماعة بشكل صارخ في عام 2024 من خلال احتجاز أربع طائرات تابعة للخطوط الجوية اليمنية في مطار صنعاء ومنعها من الإقلاع. ورغم هذا الانتهاك الجسيم، سمحت الحكومة الشرعية باستمرار الرحلات الإنسانية إلى الأردن لتخفيف معاناة المرضى. وترافق ذلك مع رفض الحوثيين القاطع الإفراج عن أرصدة الشركة المجمدة في بنوك صنعاء، والتي تتجاوز 120 مليون دولار، مع الإصرار على التدخل في إدارة الشركة وتوجيه إيراداتها لصالحهم، ثم ترويج ادعاءات باطلة تتهم الحكومة والتحالف بعرقلة السفر.
انتهاك الأعراف القبلية والتداعيات الإقليمية والدولية
داخلياً، يواجه المواطنون في مناطق سيطرة الحوثيين قبضة أمنية حديدية وجبايات مالية باهظة تسببت في ارتفاع جنوني لأسعار السلع الأساسية. وتشن الجماعة حملات اعتقال تعسفية وتفجير للمنازل تستهدف شيوخ القبائل والشخصيات الاجتماعية التي تنتقد سياساتها، في سلوك يضرب الأعراف والأسلاف القبلية المتجذرة في المجتمع اليمني.
إن هذا السلوك التصعيدي لا يهدد الداخل اليمني فحسب، بل يمتد تأثيره دولياً من خلال تهديد أمن الملاحة البحرية في البحر الأحمر ومضيق باب المندب، وهو ما يلقى رفضاً وإدانة واسعة من المجتمع الدولي. وتؤكد المواقف الرسمية للحكومة الشرعية والتحالف العربي أن أي تمادٍ حوثي سيقابل برد حازم لحماية المكتسبات وفرض السلام المستدام في المنطقة.


