في ظل أجواء من الترقب الحذر، يتجه العالم بأنظاره نحو الشرق الأوسط، حيث تلوح في الأفق بوادر انفراجة قد تقود إلى تحقيق التسوية في الخليج وإنهاء فصل طويل من الاضطراب. ويتمحور هذا الأمل حول “مذكرة تفاهم” مرتقبة بين الولايات المتحدة بقيادة الرئيس دونالد ترامب وإيران، وهو تطور يُنتظر أن يعيد رسم ملامح الاستقرار في واحدة من أكثر مناطق العالم حساسية. ورغم أن معالم الاتفاق بدأت تتضح، إلا أن طهران لا تزال تصر على عدم التوصل إلى صيغة نهائية، مما يترك الباب مفتوحاً أمام تساؤلات حول مدى جدية الالتزامات وقدرتها على إطفاء نيران الصراع الذي طال أمده.
جذور التوتر وتاريخ من المواجهة
لم تكن التوترات الحالية وليدة اللحظة، بل هي نتاج عقود من العلاقات المعقدة والمتأزمة بين واشنطن وطهران منذ الثورة الإيرانية عام 1979. وقد شهدت هذه العلاقة محطات صعبة، أبرزها الملف النووي الإيراني الذي أدى إلى فرض عقوبات دولية واسعة، وصولاً إلى الاتفاق النووي (خطة العمل الشاملة المشتركة) في عام 2015. لكن سياسة “الضغط الأقصى” التي تبنتها إدارة الرئيس ترامب بعد الانسحاب من الاتفاق، زادت من حدة المواجهة، وألقت بظلالها على أمن المنطقة بأكملها، خاصة دول الخليج العربية التي وجدت نفسها في خط المواجهة المباشر مع التهديدات الإيرانية، سواء عبر الهجمات المباشرة أو من خلال وكلائها في المنطقة.
معالم الاتفاق المرتقب وفرص التسوية في الخليج
يمثل الاتفاق المحتمل خطوة مهمة نحو نزع فتيل الأزمة. فمن الناحية العملية، سيضع إنهاء المواجهة الأمريكية-الإيرانية حداً للتهديدات التي تستهدف الملاحة الدولية في مضيق هرمز، الشريان الحيوي لإمدادات الطاقة العالمية. كما سيوقف الهجمات الإيرانية المتكررة على دول الخليج العربية، مما يعيد الطمأنينة والاستقرار للمنطقة. وفي هذا السياق، يعتبر الاتفاق إيجابياً في ظل الظروف الراهنة المشحونة بالقلق. لكن الأهمية الحقيقية للتسوية تكمن في قدرتها على معالجة المخاوف العميقة لدول المنطقة، والتي تتجاوز مجرد وقف الأعمال العدائية المباشرة.
تحديات ما بعد الاتفاق: من النووي إلى الميليشيات
على الرغم من الإيجابيات، يظل الاتفاق بصيغته الأولية غير كافٍ لتهدئة مخاوف دول الخليج بشكل كامل. فالتحدي الأكبر يكمن في القضايا الجوهرية التي لم تعالجها “مذكرة التفاهم” بشكل مباشر، وعلى رأسها البرنامج النووي الإيراني الطموح، وترسانة الصواريخ الباليستية المتطورة، والدعم الإيراني غير المحدود للميليشيات المسلحة في دول مثل لبنان والعراق واليمن وسوريا. هذه الملفات الشائكة ستتطلب مفاوضات أطول وأكثر تعقيداً، قد تمتد لفترة 60 يوماً بعد توقيع المذكرة الأولية. كما يبرز الحديث في واشنطن عن إمكانية تعويض الدول الخليجية عن الأضرار التي لحقت بها جراء الهجمات الإيرانية، وذلك باستخدام الأموال الإيرانية المجمدة في الولايات المتحدة، وهو ما يضيف بعداً اقتصادياً وقانونياً مهماً لأي تسوية مستقبلية.
إن أي اتفاق دائم يجب أن يشمل التزاماً إيرانياً واضحاً باحترام سيادة دول الجوار ومبادئ حسن الجوار، ووقف تدخلاتها في شؤونها الداخلية. فبدون ضمانات حقيقية وملموسة، ستبقى الثقة بين إيران وجيرانها الخليجيين غائبة، وسيكون من الصعب تصور عودة العلاقات إلى طبيعتها. لذلك، فإن نجاح التسوية في الخليج لا يتوقف فقط على توقيع الأوراق، بل على تغيير جوهري في السلوك الإيراني على الساحة الإقليمية.


