في خطبة جامعة من رحاب المسجد الحرام، وجه إمام وخطيب المسجد الحرام الشيخ الدكتور أسامة بن عبدالله خياط، نداءً إيمانياً للمسلمين في شتى بقاع الأرض، داعياً إياهم إلى تقوى الله وتعظيم شعائره، والإنابة إليه، محذراً من أسباب سخطه ومعصيته. وتكتسب هذه الخطبة أهمية خاصة كونها تنطلق من أقدس بقاع الأرض، وتصل إلى ملايين المسلمين حول العالم الذين يتابعونها بشغف، لتكون منارة هداية وتوجيه أسبوعي.
في مستهل خطبته، أكد خطيب المسجد الحرام أن خير ما يتحلى به المؤمن هو القلب الحي والضمير اليقظ الذي يدفعه لاستشعار حرمة ما حرم الله وتعظيم ما عظمه، معتبراً ذلك برهاناً ساطعاً على صدق الإيمان ورسوخ اليقين. وأوضح أن الله بحكمته ورحمته يختص أزمنة وأمكنة وعبادات معينة بمزيد من الفضل، لتكون ميداناً يتنافس فيه المتنافسون وقربى يتقرب بها العابدون إلى ربهم.
الأشهر الحرم: إرث تاريخي ومكانة شرعية
تطرق الشيخ أسامة خياط إلى مكانة الأشهر الحرم في الإسلام، موضحاً أنها ذو القعدة، وذو الحجة، والمحرم، ورجب. وهذه الأشهر لم تكن أهميتها وليدة اللحظة، بل لها جذور تاريخية ضاربة في القدم، حيث كانت معظمة حتى في زمن الجاهلية قبل الإسلام، إذ كان العرب يوقفون فيها القتال ليفسحوا المجال للحجاج والتجار للتنقل بأمان. وعندما جاء الإسلام، أقر هذه الحرمة وزادها تشريفاً، وجعلها أزمنة مباركة يضاعف فيها أجر العمل الصالح ويعظم فيها وزر الذنب. واستشهد فضيلته بحديث النبي صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع الذي بيّن فيه هذه الأشهر، مؤكداً على أن تعظيمها جزء لا يتجزأ من تعظيم شعائر الله.
التحذير من الظلم والآثام في الأزمنة الفاضلة
وشدد خطيب المسجد الحرام على أن من أظهر دلائل استشعار حرمة هذه الأشهر هو الحذر من ظلم النفس باقتراف السيئات والآثام، امتثالاً لقوله تعالى: (فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنفُسَكُمْ). وبيّن أن الذنب وإن كان شؤماً في كل وقت، إلا أنه في الشهر الحرام أشد سوءاً وأعظم جرماً، لأنه يجمع بين الجرأة على الله وانتهاك حرمة ما عظّمه واصطفاه. ودعا المسلمين إلى اغتنام ما بقي من هذه الأوقات الشريفة في التوبة والإنابة والعمل الصالح، والالتزام بالنهج السديد في سائر شهور العام.
من وحي المسجد النبوي: قصة إبراهيم أساس التوحيد
وفي المدينة المنورة، سار على ذات النهج الإيماني إمام وخطيب المسجد النبوي، الشيخ الدكتور أحمد بن علي الحذيفي، الذي ركز في خطبته على الدروس والعبر المستفادة من قصص الأنبياء في القرآن الكريم. وتناول قصة خليل الرحمن إبراهيم عليه السلام مع زوجته هاجر وابنه إسماعيل، وكيف جسدت هذه القصة أسمى معاني الامتثال لأمر الله والثقة بوعده، حين تركهم في وادٍ غير ذي زرع، فكان موقف أم إسماعيل مثالاً فريداً في التوكل حين قالت: “إذن لا يضيعنا”. هذه القصة لا تزال أحداثها حية في مناسك الحج والعمرة، وتذكر الأمة جمعاء بأن التسليم المطلق لله هو أساس العبودية وجوهر الإيمان، وهو ما أثمر أمناً ورزقاً لهذه البقعة المباركة التي تهوي إليها أفئدة الملايين.
تأثير عالمي ورسالة متجددة
إن خطب الجمعة من الحرمين الشريفين لا تقتصر في تأثيرها على النطاق المحلي أو الإقليمي، بل تحمل بعداً عالمياً واسعاً. فهي تمثل توجيهاً روحياً ومعنوياً للمجتمعات المسلمة في مختلف أنحاء العالم، وتساهم في تشكيل الوعي الديني الوسطي المعتدل. فالدعوة إلى تعظيم الشعائر والتحذير من البدع والعودة إلى الأصول الصافية للدين، هي رسالة تكتسب أهمية قصوى في زمن تتعدد فيه التحديات الفكرية والثقافية التي تواجه المسلمين. كما أن التذكير بقيم الصبر والتوكل والامتثال، المستقاة من قصص الأنبياء، يبعث الأمل ويثبت القلوب في مواجهة صعوبات الحياة المعاصرة.


