تشهد القدرات الدفاعية الجوية لألمانيا تراجعاً ملحوظاً يثير قلق الأوساط العسكرية والسياسية في برلين وبروكسل على حد سواء، وذلك في ظل النقص الحاد الذي تعاني منه منظومات باتريوت الأمريكية الصنع. يأتي هذا التراجع في وقت حساس للغاية، حيث تتصاعد التوترات الجيوسياسية مع روسيا وتتزايد التهديدات الصاروخية المحتملة، مما يضع استراتيجية الأمن القومي الألماني أمام اختبار صعب للموازنة بين التزاماتها الدولية وحماية أجوائها.
التحول الاستراتيجي وتاريخ منظومات باتريوت في ألمانيا
لفهم عمق الأزمة الحالية، يجب النظر إلى السياق التاريخي للدفاع الجوي الألماني. خلال حقبة الحرب الباردة، كانت ألمانيا الغربية تعتبر «خط الدفاع الأول» لحلف الناتو، وكانت تمتلك عشرات البطاريات من منظومات باتريوت لحماية مجالها الجوي من أي هجوم سوفيتي محتمل. ومع انتهاء الحرب الباردة، قلصت برلين ترسانتها بشكل كبير تماشياً مع سياسات خفض الإنفاق العسكري. إلا أن الغزو الروسي لأوكرانيا عام 2022 دفع المستشار أولاف شولتس لإعلان نقطة تحول تاريخية (Zeitenwende)، تهدف لإعادة تسليح الجيش الألماني، لكن المفارقة تكمن في أن الدعم الفوري لأوكرانيا أدى إلى إفراغ المخازن قبل إعادة ملئها.
تفاصيل الأزمة: بين الدعم الأوكراني وتأخر الإمداد الأمريكي
كشفت صحيفة «وول ستريت جورنال» أن ألمانيا باتت أكثر عرضة للهجمات الجوية أو الصاروخية بعد أن نقلت جزءاً كبيراً من منظومات باتريوت (PAC-2 و PAC-3) إلى أوكرانيا منذ بداية عام 2023. ورغم أن هذه الخطوة كانت ضرورية لدعم كييف في مواجهة الهجمات الروسية، إلا أنها استنزفت القدرات الألمانية. وقد تفاقم الوضع مع الالتزام بنشر ما تبقى من هذه الأنظمة لحماية الأجواء البولندية على الجناح الشرقي لحلف شمال الأطلسي (الناتو) اعتباراً من أواخر عام 2025.
وفي اعتراف صريح بخطورة الموقف، صرحت وزيرة الخارجية الألمانية أنالينا بيربوك في أبريل 2024 بأن بلادها لم تعد قادرة على تقديم المزيد من الدعم من مخزوناتها الخاصة، قائلة: «للأسف، نفدت المخزونات، وخصوصاً منظومات باتريوت الخاصة بنا، إلى حد كبير». ودعت حينها إلى مبادرة عالمية للبحث عن أنظمة متاحة في دول ثالثة لشرائها لصالح أوكرانيا.
تداعيات نقص منظومات باتريوت على الأمن الأوروبي وحلف الناتو
لا يقتصر تأثير هذا النقص على ألمانيا فحسب، بل يمتد ليشمل الأمن الإقليمي الأوروبي. تحاول برلين قيادة مبادرة «درع السماء الأوروبية» لتوحيد الدفاع الجوي للقارة، لكن عجزها الحالي يضعف من مصداقية هذه الجهود. ورغم تعاقد وزارة الدفاع الألمانية عام 2024 على شراء ثماني منظومات باتريوت جديدة بتكلفة 2.33 مليار دولار للمنظومة الواحدة، إلا أن جداول التسليم تواجه عقبات كبرى.
وتشير التقارير إلى أن الولايات المتحدة تعطي الأولوية حالياً لتجديد مخزونها الاستراتيجي الذي انخفض بنسبة 25% بسبب الدعم المقدم لأوكرانيا والاشتباكات في الشرق الأوسط ومواجهة التهديدات الإيرانية. كما أن التزامات واشنطن تجاه حلفاء آخرين في المحيط الهادئ، مثل تايوان، قد تؤخر تسليم الطلبيات الألمانية. وبحسب التقديرات، قد لا تحصل ألمانيا على أعداد كافية من الصواريخ الاعتراضية الجديدة لسد الفجوة قبل مطلع ثلاثينيات القرن الحالي، مما يترك «فجوة دفاعية» خطيرة تمتد لعدة سنوات في قلب أوروبا.


