في بقعة من العالم تُقاس فيها الأيام بعدد الغارات وأصوات الانفجارات، قرر سكان غزة قياس الوقت بنوع آخر من الدقائق. لمدة 90 دقيقة، يفرض شغف المونديال في غزة هدنة نفسية لم تبرمها السياسة، بل صنعتها كرة تتدحرج على الشاشة، مانحةً السكان استراحة مؤقتة من واقعهم المرير. وسط الأنقاض وتحت ظلال البيوت المهدمة، تتجمع العائلات حول شاشات صغيرة تعمل ببدائل طاقة شحيحة، لتغيب أصوات الخوف والقلق، وتعلو مكانها هتافات التشجيع وتصفيق الصغار والكبار، في مشهد يثبت للعالم أن الرغبة في الحياة واقتناص الفرح هي السلاح الأقوى في وجه الدمار.
كرة القدم.. متنفس في وجه الحصار والدمار
لم تكن الرياضة يومًا مجرد ترفيه في قطاع غزة، بل كانت دائمًا نافذة أمل ومتنفسًا حيويًا لسكانه، خاصة الشباب. على مدى سنوات طويلة من الحصار والحروب المتكررة، شكلت كرة القدم على وجه الخصوص وسيلة للتعبير عن الذات وتفريغ الطاقات، ورابطًا مع العالم الخارجي الذي يبدو بعيد المنال. كانت الملاعب، مثل ملعب اليرموك التاريخي، مساحات للحياة والتنافس الشريف، تجمع الآلاف من المشجعين الذين يجدون في تشجيع فرقهم المحلية انتصارًا صغيرًا على ظروفهم القاسية. هذا السياق التاريخي يجعل من مشاهد متابعة المونديال اليوم أكثر من مجرد متابعة لحدث رياضي عالمي، بل هو تمسك بخيط رفيع من الحياة الطبيعية التي سلبتها الحرب.
شغف المونديال في غزة: مشاهد صمود من قلب الخيام
من داخل صفوف الخيام المتهالكة في مناطق النزوح المكتظة مثل مواصي خان يونس، تبدأ رحلة البحث عن لحظة فرح. مع حلول الظلام، يطوف الشبان بحثًا عن إشارة إنترنت ضعيفة تلتقطها هواتفهم المحمولة أو أجهزة حاسوب أثقلتها البطاريات الشحيحة. المهمة هنا ليست مجرد رفاهية، فالشاشة الصغيرة التي تجتمع حولها عائلات بأكملها، والتي يصدح من فوقها صوت المعلقين الرياضيين، هي محاولة لحجب صوت طائرات الاستطلاع الإسرائيلية (الزنانة) التي تحلق بلا انقطاع في الأجواء. إنها محاولة لصناعة ذاكرة مختلفة للأطفال، ذاكرة مرتبطة بهدف جميل أو مهارة لاعب، بدلًا من الذكريات المرتبطة بالخوف والنزوح.
رسالة حياة تتجاوز حدود الملعب
تأتي هذه النسخة من كأس العالم بالتزامن مع واقع رياضي وإنساني مرير يعيشه القطاع. فبحسب بيانات الاتحاد الفلسطيني لكرة القدم، استشهد نحو 1000 رياضي منذ عام 2023، من بينهم أطفال وهواة ومحترفون وحكام، إلى جانب تدمير وتجريف قرابة 285 منشأة رياضية وملعبًا تاريخيًا. ولعل أبرز هذه الشواهد هو “ملعب اليرموك” في مدينة غزة، الذي كان يومًا ما يضج بهتافات آلاف المشجعين في المباريات المحلية، وتحول اليوم إلى مدينة خيام ضخمة تأوي آلاف العائلات التي هُجّرت من بيوتها. على الرغم من هذا الواقع، ورغم الخوف من التجمع في الأماكن العامة، يصر سكان غزة على مشاهدة المباريات، مرسلين رسالة صمود بأن الأمل لا يموت تحت الركام، وأن شغفهم بالحياة أقوى من أي محاولة لمسحه.


