في ظل التطورات المتلاحقة التي يشهدها الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، برزت إلى الواجهة مؤخراً خطة إعادة تشكيل غزة، والتي تهدف إلى إحداث تغيير جذري في المشهدين الأمني والسياسي للقطاع. وتأتي هذه الخطة، التي كشفت عنها وثيقة مسربة لمجلس السلام الذي شكله الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترمب، لترسم خارطة طريق تمتد لثمانية أشهر، تنتهي بتجريد حركة حماس والفصائل الأخرى من سلاحها وتدمير شبكة الأنفاق بالكامل.
السياق العام والتحولات في مسار الصراع
لم يكن قطاع غزة يوماً بمعزل عن المبادرات الدولية الرامية إلى التهدئة، إلا أن الحرب الأخيرة فرضت واقعاً جديداً جعل من مسألة السيطرة الأمنية وإدارة القطاع أولوية قصوى للمجتمع الدولي. تاريخياً، تعاقبت العديد من الخطط والمبادرات منذ انسحاب إسرائيل أحادي الجانب من غزة عام 2005، مروراً بسيطرة حماس على القطاع عام 2007، وصولاً إلى جولات التصعيد المتكررة. وتعتبر الوثيقة الحالية امتداداً لمحاولات سابقة لإرساء واقع أمني جديد، حيث تحمل عنوان “خطوات استكمال تنفيذ خطة ترمب للسلام الشامل في غزة”، مما يعكس رغبة واشنطن وحلفائها في إيجاد تسوية نهائية تمنع تكرار سيناريوهات المواجهة العسكرية الشاملة.
مراحل تنفيذ خطة إعادة تشكيل غزة
تستند خطة إعادة تشكيل غزة إلى مبدأ أساسي يتمثل في “سلطة واحدة، وقانون واحد، وسلاح واحد”. ووفقاً لما نقلته وكالة “رويترز”، تتألف الخطة من 12 نقطة رئيسية وجدول زمني مقسم إلى خمس مراحل حاسمة:
- المرحلة الأولى (15 يوماً): تتولى لجنة وطنية تكنوقراطية فلسطينية، مدعومة أمريكياً، كامل السلطات الأمنية والإدارية في غزة، مع بدء التحضير لحصر السلاح.
- المرحلة الثانية (اليوم 16 إلى 40): تبدأ إسرائيل بتفكيك أسلحتها الثقيلة في مناطق سيطرتها، بالتزامن مع نشر قوة أمنية دولية لضمان الاستقرار.
- المرحلة الثالثة (اليوم 30 إلى 90): تلتزم حماس بتسليم كافة أسلحتها الثقيلة ومعداتها العسكرية للجنة الوطنية، مع السماح بتدمير جميع الأنفاق والمواد غير المتفجرة.
- المرحلة الرابعة (اليوم 91 إلى 250): يتم تشكيل لجنة أمنية لجمع الأسلحة الخفيفة والشخصية، ويبدأ انسحاب القوات الإسرائيلية تدريجياً وفقاً لعمليات التحقق.
- المرحلة الخامسة: تمثل فترة التحقق النهائي من خلو غزة من السلاح، وتشهد انسحاباً إسرائيلياً كاملاً (باستثناء محيط أمني محدد)، وانطلاق عمليات إعادة الإعمار الشاملة.
ومن المقرر أن يشرف الممثل السامي لمجلس السلام، نيكولاي ملادينوف، على لجنة التحقق من حصر وجمع السلاح، بدعم من قوة الاستقرار الدولية.
التأثير المتوقع والمواقف المتباينة
تحمل هذه المبادرة تداعيات عميقة على المستويات المحلية والإقليمية والدولية. محلياً، تعني الخطة إنهاء الوجود العسكري لحركة حماس وحركة الجهاد الإسلامي وكافة الفصائل المسلحة، وتحويل إدارة القطاع إلى جهة تكنوقراطية مدنية. إقليمياً ودولياً، تفتح الخطة الباب أمام تدخل دولي مباشر في إدارة أمن غزة، مما قد يمهد الطريق لتدفق أموال إعادة الإعمار وإدخال المواد ذات الاستخدام المزدوج إلى المناطق المنزوعة السلاح.
ومع ذلك، تواجه الخطة عقبات سياسية كبرى؛ فالوثيقة لم تتطرق مطلقاً إلى إقامة دولة فلسطينية مستقلة، وهو ما يمثل نقطة خلاف جوهرية. وفي حين أعلن مسؤول في حماس أن الحركة لا تزال تدرس الوثيقة ولم تعلق عليها رسمياً بعد، سارعت ثلاثة فصائل فلسطينية أخرى إلى إصدار بيانات تنتقد الخطة بشدة، معتبرة أنها تمنح الأولوية لنزع السلاح بشكل غير عادل على حساب قضايا حيوية مثل إعادة الإعمار الفوري والانسحاب الكامل للجيش الإسرائيلي.


