في رحلة سياحية فريدة من نوعها، وجدت سائحة فرنسية تُدعى “سيسيليا” نفسها تنتقل من شوارع باريس الصاخبة إلى أزقة الطائف الهادئة، لتكتشف سحراً لم تكن تتوقعه في قلب المملكة العربية السعودية. تجربتها التي وثقتها عبر منصات التواصل الاجتماعي، لم تكن مجرد زيارة عابرة، بل كانت غوصاً عميقاً في أصالة التراث الحجازي الذي تجسد في بيوت الطائف التاريخية، حيث تحكي الجدران الطينية قصصاً عريقة وتفوح من بينها رائحة الورد الطائفي الشهير.
أعادت قصة سيسيليا تسليط الضوء على الطائف كوجهة سياحية عالمية واعدة، وهو ما يتناغم مع مستهدفات رؤية السعودية 2030 الرامية إلى إبراز الكنوز الثقافية والتاريخية للمملكة. فزيارتها التي تزامنت مع موسم قطاف الورد، كشفت عن تقارب لافت في الأجواء والجماليات بين الطائف، المعروفة بلقب “مدينة الورد” و”عاصمة المصائف العربية”، وبين وجهات عالمية كباريس، مما يعزز مكانة المدينة على خريطة السياحة الدولية.
الطائف: حيث يلتقي التاريخ بعبق الورد
لم تكن الطائف يوماً مجرد مدينة ذات طقس معتدل، بل هي سجل تاريخي حي. على مر العصور، كانت المدينة المصيف الأول لسكان مكة وجدة، وملتقى للتجار والشعراء. هذا الإرث الغني يتجلى بوضوح في طرازها المعماري الفريد الذي يمزج بين الحجر المحلي والأخشاب المنقوشة (الرواشين)، وهو الأسلوب الذي أسرّ لبّ السائحة الفرنسية. تعكس هذه المباني براعة الهندسة التقليدية في التكيف مع البيئة، وتوفر جمالاً بصرياً وخصوصية للسكان.
وتحتضن محافظة الطائف اليوم ما يزيد عن 41 موقعاً أثرياً مسجلاً رسمياً ضمن قائمة التراث السعودي، وتعمل هيئة التراث على حماية هذه المواقع من أي عبث، ومن أبرز جهودها تأهيل “بيت شقير” كأول نموذج مطور في المنطقة التاريخية، ليصبح شاهداً على الاهتمام المتزايد بالحفاظ على الهوية العمرانية للمدينة.
سحر التراث الحجازي: نافذة على مستقبل السياحة السعودية
يؤكد المرشد السياحي ماجد الثمالي أن تجارب مثل تجربة سيسيليا تعكس تحولاً في اهتمامات السياح الأجانب، الذين باتوا يبحثون عن تجارب ثقافية عميقة وملامسة حقيقية للعادات والتقاليد المحلية. ويضيف الثمالي أنه لمس هذا الشغف من خلال استضافته لمجموعات سياحية في منزله الخاص وتقديم الوجبات الشعبية لهم، الأمر الذي يترك لديهم انطباعاً إيجابياً ومشرّفاً عن كرم وضيافة المجتمع الطائفي.
من جهته، يرى المرشد السياحي أحمد الجعيد أن الطائف برزت كوجهة دولية تقدم مسارات سياحية متنوعة تجمع بين السياحة الريفية في مزارعها الغنية، وزيارة المواقع التاريخية العريقة، والاستمتاع بجمالها الطبيعي الخلاب. إن استقطاب زوار من مختلف الجنسيات يأتون خصيصاً للاستمتاع بموسم الورد وجماليات التراث الحجازي الأصيل، هو دليل قاطع على أن استراتيجيات التنمية السياحية في المملكة بدأت تؤتي ثمارها، محولةً القصص الفردية إلى سفراء للثقافة السعودية حول العالم.


