الدعم الفرنسي وتنسيق المفاوضات مع إسرائيل
أكد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في تصريحاته الأخيرة أن باريس ملتزمة التزاماً كاملاً بمساعدة السلطات اللبنانية في التحضير لملف المفاوضات مع إسرائيل، حتى وإن لم تكن فرنسا طرفاً جالساً بشكل مباشر على طاولة هذه المحادثات. وأوضح ماكرون، خلال مؤتمر صحفي مشترك مع رئيس الحكومة اللبنانية، أن التواجد المادي لفرنسا على طاولة الحوار يُعد أمراً ثانوياً مقارنة بالهدف الأساسي، مبيناً أن المصلحة الوطنية العليا للبنان تقتضي أن يقدم المجتمع الدولي بأسره المساعدة اللازمة له لاجتياز هذه المرحلة الدقيقة بنجاح.
الجذور التاريخية للعلاقات اللبنانية الفرنسية
لفهم الموقف الفرنسي الحالي، يجب النظر إلى السياق العام والخلفية التاريخية التي تربط بين باريس وبيروت. ترتبط فرنسا بعلاقات تاريخية وثيقة مع لبنان تعود إلى عقود طويلة، حيث لطالما اعتبرت باريس نفسها داعماً أساسياً للبنان. تجلى هذا الدور في محطات مفصلية عديدة، من بينها الدعم السياسي والاقتصادي المستمر، والمبادرات الفرنسية المتكررة لإنقاذ لبنان من أزماته المتلاحقة، خاصة بعد كارثة انفجار مرفأ بيروت. تسعى فرنسا اليوم إلى لعب دور محوري في إرساء السلام، إلا أنها تواجه في بعض الأحيان تحفظات أو معارضة من قبل إسرائيل والولايات المتحدة الأمريكية اللتين تفضلان مسارات تفاوضية محددة.
شروط الاستقرار وموقف الحكومة اللبنانية
في سياق متصل، شدد الرئيس ماكرون على ضرورة توسيع نطاق الهدنة الحالية في لبنان للسماح بإرساء قواعد الاستقرار المستدام. وأكد بوضوح أن هذا الاستقرار المنشود لن يتحقق على أرض الواقع من دون انسحاب إسرائيل من الأراضي اللبنانية، بالتوازي مع معالجة مسألة سلاح حزب الله. ودعا ماكرون المجتمع الدولي إلى التكاتف للمحافظة على سيادة لبنان والبدء الفوري في إعادة إعمار المناطق التي طالها القصف والدمار. من جانبه، صرح رئيس الحكومة اللبنانية بأن الدولة لا تسعى إلى الدخول في مواجهة داخلية مع حزب الله، لكنها في الوقت ذاته لن تسمح بترهيب مؤسساتها، مضيفاً بعبارة حاسمة: “لا يمكن أن تكون لدينا دولة ذات سيادة حقيقية إذا كان لدينا أكثر من جيش واحد”. وأشار إلى أن لبنان بحاجة ماسة إلى دعم مالي يقدر بنحو 500 مليون يورو لمواجهة الأزمة الإنسانية المتفاقمة خلال الأشهر الستة القادمة، موضحاً أن بلاده تخوض حرباً فُرضت عليها ولم تخترها.
التداعيات الإقليمية والدولية للتهدئة
تكتسب هذه التطورات أهمية كبرى نظراً لتأثيرها المتوقع على المستويين الإقليمي والدولي. فنجاح المسار الدبلوماسي سيجنب منطقة الشرق الأوسط الانزلاق نحو حرب إقليمية شاملة قد تضر بالاقتصاد العالمي وأمن المنطقة. كما أن استعادة الهدوء في جنوب لبنان سيسمح بعودة النازحين من كلا الجانبين إلى قراهم، وهو ما يمثل أولوية قصوى للمجتمع الدولي الذي يحضر لمؤتمر دولي موسع يهدف إلى إعادة الإعمار والنهوض بالاقتصاد اللبناني المنهار.
التوترات الميدانية وتحديات وقف إطلاق النار
على الرغم من الجهود الدبلوماسية، لا تزال التحديات الميدانية تفرض نفسها بقوة. فقد صرح السفير الإسرائيلي في واشنطن، يحيئيل لايتر، بأنه في الوقت الذي تعمل فيه إسرائيل بالتنسيق مع واشنطن لضمان مستقبل أفضل وأكثر أمناً للمنطقة، يستمر حزب الله في انتهاك اتفاقيات وقف إطلاق النار. وجاءت تصريحات السفير الإسرائيلي متزامنة مع إقرار حزب الله بشن هجمات صاروخية استهدفت موقعاً عسكرياً تابعاً للجيش الإسرائيلي في شمال إسرائيل، مبيناً أنه استهدف “مربض مدفعية” في مستوطنة كفرجلعادي، مما يعكس هشاشة الوضع الأمني والحاجة الماسة لتدخل دولي حاسم لضمان نجاح أي تسوية سياسية قادمة.


