اجتماع بكفيا: تحذير وطني من منزلقات الحرب
في ظل تصاعد التوترات الإقليمية والمخاوف المتزايدة من اتساع رقعة الصراع في منطقة الشرق الأوسط، تداعى عدد من كبار المسؤولين اللبنانيين، يتقدمهم رؤساء جمهورية وحكومات سابقون، إلى اجتماع استثنائي وتاريخي في منطقة بكفيا. ضم هذا اللقاء الوطني البارز كل من الرئيسين السابقين أمين الجميل وميشال سليمان، إلى جانب رئيس حكومة تصريف الأعمال الحالي نجيب ميقاتي، ورئيسي الحكومة السابقين فؤاد السنيورة وتمام سلام. وقد جاء هذا الاجتماع في توقيت بالغ الحساسية، حيث يقف لبنان على مفترق طرق خطير يهدد كيانه واستقراره الهش.
السياق العام ورفض توريط لبنان في الحرب
أصدر المجتمعون بياناً حازماً حذروا فيه بشدة من مغبة توريط لبنان في حروب إقليمية أخرى، مشددين على أن إقحام الساحة اللبنانية في أتون هذه المواجهة المدمرة يشكل خطراً وجودياً لا طاقة للبلاد على تحمله. وتأتي هذه التحذيرات في سياق تاريخي وسياسي معقد، حيث يعاني لبنان منذ عام 2019 من أزمة اقتصادية ومالية غير مسبوقة صنفها البنك الدولي من بين الأسوأ في التاريخ الحديث، تترافق مع شلل سياسي وفراغ في سدة رئاسة الجمهورية منذ أواخر عام 2022. وأكد القادة أن أي تصرف يجر البلاد نحو الحرب هو أمر مرفوض تماماً، كونه يعرض الوجود الوطني والإجماع اللبناني لخطر التفكك والانهيار.
حصرية السلاح وقرار الحرب والسلم
من أبرز المحاور التي ركز عليها اللقاء هو التأكيد القاطع على ضرورة حصر قرار الحرب والسلم، وكذلك حيازة السلاح، بيد الدولة اللبنانية ومؤسساتها الشرعية فقط. ودعا الرؤساء إلى استعادة الدولة الحرة والسيدة والمستقلة، القادرة على بسط سلطتها المطلقة على كامل الأراضي اللبنانية دون استثناء. وفي هذا السياق، تم التشديد على أهمية التمسك بأحكام الدستور اللبناني ووثيقة الوفاق الوطني (اتفاق الطائف) التي أنهت الحرب الأهلية اللبنانية (1975-1990)، والتي تشكل المرجعية الأساسية للحفاظ على السلم الأهلي والعيش المشترك.
دعم الجيش اللبناني وإدانة العدوان
أعرب المجتمعون عن دعمهم المطلق للجيش اللبناني بقيادة العماد جوزيف عون، مؤكدين على ضرورة تمكين المؤسسة العسكرية من تنفيذ قرارات الحكومة اللبنانية والاضطلاع بدورها الوطني في حماية الحدود ومواجهة الاعتداءات. كما استنكر الرؤساء بشدة تصاعد العدوان الإسرائيلي الغاشم على الأراضي اللبنانية، والذي استهدف بشكل مكثف مناطق الجنوب، والبقاع، والضاحية الجنوبية لبيروت، وصولاً إلى العاصمة. وطالبوا بضرورة التوصل إلى اتفاق فوري لوقف إطلاق النار وانسحاب القوات الإسرائيلية من الأراضي اللبنانية، تماشياً مع القرارات الدولية ذات الصلة.
الأزمة الإنسانية والدعوة لمؤتمر دولي
على الصعيد الإنساني، أشاد الرؤساء بجهود الحكومة في إغاثة ومساعدة مئات الآلاف من النازحين الذين أُجبروا على ترك منازلهم هرباً من القصف، مؤكدين على أهمية التضامن الوطني في هذه المحنة. ونوهوا بزيارة الموفدين الدوليين، ومنهم القاصد الرسولي ممثل الفاتيكان، التي تعكس اهتماماً دولياً بالوضع اللبناني. وفي ختام اجتماعهم، أطلق القادة نداءً عاجلاً لعقد مؤتمر عربي ودولي مخصص لمساعدة لبنان على الخروج من أزمته المتعددة الأبعاد، سياسياً واقتصادياً وأمنياً، وتوفير الدعم اللازم لإعادة بناء ما دمرته آلة الحرب، محذرين من أن ترك لبنان وحيداً في هذه الظروف سيترك تداعيات كارثية على استقرار المنطقة بأسرها.


