تصاعد التوترات ورفض أوروبي للتدخل العسكري
شهدت الساحة الدولية مؤخراً تطورات متسارعة إثر إعلان عدد من أبرز حلفاء الولايات المتحدة الأمريكية في أوروبا رفضهم القاطع لتلبية طلب الرئيس الأمريكي بالتدخل العسكري المباشر. ودعت واشنطن إلى إرسال سفن حربية وقوات بحرية لفتح مضيق هرمز، وذلك في أعقاب تصاعد التوترات بشكل غير مسبوق. وجاء هذا الطلب بعد أن قامت إيران بالرد على هجمات أمريكية وإسرائيلية عبر استخدام مكثف للطائرات المسيرة والصواريخ والألغام البحرية، مما أدى فعلياً إلى إغلاق هذا الممر المائي الاستراتيجي أمام حركة الملاحة، وخاصة ناقلات النفط، وهو ما ينذر بأزمة طاقة عالمية.
الأهمية الاستراتيجية والسياق التاريخي لمضيق هرمز
تاريخياً، يُعد مضيق هرمز واحداً من أهم نقاط الاختناق البحرية والجيوسياسية في العالم. يقع المضيق بين سلطنة عُمان وإيران، ويربط بين الخليج العربي وخليج عُمان وصولاً إلى بحر العرب والمحيط الهندي. وتكمن أهميته الاستراتيجية في كونه الممر الرئيسي لنحو خُمس إمدادات النفط العالمية، بالإضافة إلى كميات هائلة من الغاز الطبيعي المسال القادم من دول الخليج.
لطالما كان المضيق مسرحاً للتوترات الجيوسياسية، ولعل أبرزها “حرب الناقلات” إبان الحرب العراقية الإيرانية في ثمانينيات القرن الماضي، حيث تعرضت السفن التجارية لهجمات متبادلة. إن أي إغلاق أو تهديد للملاحة في هذا المضيق لا يمثل أزمة إقليمية فحسب، بل ينذر بكارثة اقتصادية عالمية تتجسد في ارتفاع جنوني لأسعار الطاقة، وزيادة معدلات التضخم، وتعطيل سلاسل الإمداد الدولية التي تعاني أساساً من أزمات متلاحقة.
مواقف الدول الأوروبية: حذر شديد وتجنب للتصعيد الشامل
في ظل هذا السياق المتوتر والمحفوف بالمخاطر، استبعدت دول أوروبية رئيسية مثل ألمانيا وإسبانيا وإيطاليا المشاركة في أية مهمة عسكرية في مياه الخليج في الوقت الراهن. وقد عبّر وزير الدفاع الألماني، بوريس بيستوريوس، عن هذا الموقف بوضوح تام في برلين، متسائلاً عن الجدوى العسكرية لإرسال فرقاطات أوروبية في حين تمتلك البحرية الأمريكية قدرات هائلة في المنطقة. وأكد بيستوريوس أن “هذه ليست حربنا، ولم نبدأها”. كما أوضح المتحدث باسم الحكومة الألمانية أن حلف شمال الأطلسي (الناتو) لا علاقة له بهذا الصراع المباشر، مشيراً إلى غياب التنسيق المسبق من قبل واشنطن وإسرائيل مع الحلفاء الأوروبيين.
من جهتها، شددت إسبانيا على رفضها القاطع لأي عمل عسكري قد يفاقم الصراع ويوسع دائرته. وفي روما، حذر نائب رئيسة الحكومة الإيطالية، ماتيو سالفيني، من أن إرسال سفن حربية إلى منطقة النزاع يُعد بمثابة إعلان دخول فعلي في الحرب، وهو سيناريو ترفضه إيطاليا بشدة وتدعو إلى تغليب لغة الحوار.
مساعٍ دبلوماسية ومباحثات لتوسيع المهام البحرية
على الجانب الآخر، اتخذت دول مثل بريطانيا والدنمارك موقفاً أكثر حذراً وتوازناً، حيث تدرسان سبل تقديم المساعدة التقنية مع التشديد على أولوية خفض التصعيد الدبلوماسي. وأكد رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر أن بلاده ستعمل مع حلفائها لضمان حرية الملاحة الدولية، مشيراً إلى امتلاك بريطانيا لأنظمة متطورة للكشف عن الألغام البحرية وإزالتها، لكنه شدد في الوقت عينه على ضرورة عدم الانجرار لحرب إقليمية أوسع.
وفي الإطار ذاته، أوضحت مسؤولة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي، كايا كالاس، أن هناك نقاشات جارية حول إمكانية توسيع نطاق مهمة “أسبيدس” البحرية الأوروبية لتشمل مضيق هرمز. وتتولى هذه المهمة حالياً حماية السفن التجارية في البحر الأحمر من هجمات الحوثيين. إلا أن اليونان، التي تقود المهمة حالياً، سارعت عبر متحدثها الحكومي بافلوس ماريناكيس إلى التأكيد على أن مشاركتها ستقتصر على البحر الأحمر فقط، رافضة التورط في مياه الخليج.
التداعيات الدولية وموقف الصين من الأزمة
أما على الصعيد الدولي، فقد دخلت الصين بقوة على خط الأزمة، نظراً لاعتمادها الكبير على واردات الطاقة من الشرق الأوسط. وكشفت وزارة الخارجية الصينية عن إجراء محادثات دبلوماسية مكثفة مع جميع الأطراف المعنية بشأن أمن مضيق هرمز، في مسعى جاد لتهدئة الصراع وتجنب انزلاق المنطقة إلى حرب شاملة قد تعصف بالاقتصاد الصيني والعالمي.
وفي هولندا، أشار وزير الخارجية توم بيريندسن إلى أن أي تحرك عسكري عبر حلف الناتو سيتطلب وقتاً طويلاً لوضع إطار عمل قانوني واستراتيجي مناسب، مؤكداً أن القرارات المصيرية تتطلب إجراءات قابلة للتنفيذ وذات أثر ملموس على أرض الواقع، وهو ما يغيب عن الطاولة في ظل الانقسام الحالي.


