تشهد القارة الأوروبية تحولاً ملحوظاً في سياساتها تجاه جماعة الإخوان المسلمين، حيث تتصاعد وتيرة التحركات الأوروبية ضد الإخوان لتنتقل من المراقبة الحذرة إلى فرض إجراءات أكثر صرامة تشمل عقوبات وحظراً ومراقبة مالية مشددة. ويكشف “المرصد الأوروبي لمحاربة التطرف” عن تزايد التحذيرات الأمنية في عدد من الدول بشأن استراتيجية الجماعة التي تعتمد على “التسلل البطيء والتأثير التدريجي” داخل المجتمعات والمؤسسات الأوروبية، بهدف إحداث تغييرات بعيدة المدى في البنية السياسية والاجتماعية للدول المستضيفة.
جذور الحضور ومرحلة التحول
يعود وجود جماعة الإخوان المسلمين في أوروبا إلى منتصف القرن العشرين، حيث بدأت كوادرها في التوافد وإنشاء شبكات ومؤسسات استغلت مناخ الحريات الديمقراطية. لعقود طويلة، عملت هذه الشبكات تحت غطاء الجمعيات الثقافية والخيرية والمنظمات الدعوية، ونجحت في بناء وجود مؤسسي قوي. كانت النظرة الأوروبية السائدة تتعامل معها بقدر من التسامح، وأحياناً باعتبارها تياراً إسلامياً معتدلاً يمكن أن يكون بديلاً للجماعات الأكثر تطرفاً. إلا أن هذا التصور بدأ يتغير بشكل جذري بعد أحداث “الربيع العربي” عام 2011، التي كشفت عن الأجندة السياسية للجماعة وسعيها للوصول إلى السلطة. تزامنت هذه الفترة مع تصاعد الهجمات الإرهابية على الأراضي الأوروبية، مما دفع الأجهزة الأمنية إلى إعادة تقييم شاملة لجميع التنظيمات الإسلامية وخطابها، ومدى مساهمته في خلق بيئات حاضنة للتطرف.
استراتيجيات المواجهة: تباين أوروبي وهدف مشترك
باتت الأجهزة الأمنية الأوروبية تنظر بقلق متزايد إلى أنشطة الجماعة، مع تباين واضح في أساليب التعامل معها بين الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي. ففي حين تتبنى بعض الحكومات نهجاً أكثر تشدداً، تفضل أخرى الاعتماد على الرقابة والمتابعة القانونية والإدارية. ويشير مراقبون إلى انقسام المشهد الأوروبي حالياً بين “المحور الراديكالي” الذي تقوده فرنسا والنمسا ويدعو لإجراءات حازمة، و”المحور الحذر” الذي تمثله ألمانيا وهولندا.
فرنسا تقود المواجهة الصارمة
اتخذت السلطات الفرنسية خطوات هي الأكثر صرامة تجاه الجماعة. ففي السنوات الأخيرة، صوت البرلمان الفرنسي لصالح قرارات تدعو الاتحاد الأوروبي إلى إدراج الإخوان ضمن قائمة المنظمات الإرهابية. كما أيدت المحاكم الإدارية قرارات حكومية بحظر تجمعات ومؤتمرات تعتبرها السلطات مرتبطة بالجماعة، مثل قرار حظر الاجتماع السنوي لـ«مسلمي غرب فرنسا». وكان الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون قد أعلن عن حزمة من الإجراءات المالية والإدارية المشددة بحق أعضاء الجماعة والكيانات المرتبطة بها، شملت تجميد المساهمات المالية وتوسيع صلاحيات حل الجمعيات والمنظمات التي يُشتبه في ارتباطها بالفكر المتطرف، وذلك في إطار قانون “مكافحة الانفصالية”.
ألمانيا تعتمد نهج “الحذر والمراقبة”
في ألمانيا، حذّر المكتب الاتحادي لحماية الدستور (الاستخبارات الداخلية) من محاولات الجماعة التأثير على الأحزاب السياسية ومؤسسات المجتمع. وتشير تقديرات رسمية إلى أن عدد المنتمين إلى الشبكات المرتبطة بالإخوان في ألمانيا بلغ نحو 12 ألف شخص خلال عام 2024. وأكد وزير داخلية ولاية براندنبورج أن الجماعة لا تعتمد على العنف المباشر لتحقيق أهدافها، بل تسعى إلى التغلغل التدريجي داخل المؤسسات والمجتمع، مستفيدة من البيئة الديمقراطية والحريات العامة لترسيخ نفوذها على المدى الطويل.
أبعاد وتأثيرات التحركات الأوروبية ضد الإخوان
تتجه غالبية الدول الأوروبية في المرحلة الحالية إلى تبني استراتيجية تقوم على الحظر الإداري والمالي بدلاً من الحظر القانوني الشامل، وذلك لتجنب المعارك القضائية المعقدة. تشمل هذه الاستراتيجية سحب صفة النفع العام من الجمعيات المرتبطة بالجماعة، وتشديد الرقابة على مصادر التمويل والأوقاف، وتجميد الأصول المالية عند الضرورة. تهدف هذه الإجراءات إلى الحد من نفوذ الجماعة وتجفيف منابع تمويلها، مما يؤثر بشكل مباشر على قدرتها على التوسع والتأثير داخل أوروبا. وعلى الصعيد الدولي، تضع هذه التحركات الجماعة في موقف حرج، حيث كانت أوروبا تمثل لها ملاذاً آمناً ومركزاً مهماً لأنشطتها الإعلامية والسياسية والمالية.


