في ظل التوترات الجيوسياسية المتصاعدة، برزت على السطح مخاوف أوروبية عميقة من احتمالية إبرام اتفاق أمريكي مع إيران بشكل متسرع. جاءت هذه المخاوف في وقت حرج هدد فيه الرئيس الأمريكي دونالد ترمب بتدمير إيران بالكامل إذا لم توافق طهران على توقيع اتفاق جديد يرضي طموحات إدارته. وقد كشف دبلوماسيون غربيون أن السعي نحو تحقيق انتصار دبلوماسي سريع قد يؤدي إلى ترسيخ الأزمة في الشرق الأوسط بدلاً من إيجاد حل جذري ومستدام لها.
السياق التاريخي للتوترات وتداعيات أي اتفاق أمريكي مع إيران
لفهم جذور هذه الأزمة، يجب العودة إلى السياق التاريخي للبرنامج النووي الإيراني والجهود الدولية لاحتوائه. ففي عام 2015، تم توقيع خطة العمل الشاملة المشتركة (الاتفاق النووي) بعد سنوات طويلة من المفاوضات الشاقة التي قادتها مجموعة 5+1. ومع ذلك، فإن انسحاب الولايات المتحدة من هذا الاتفاق في عام 2018 أعاد خلط الأوراق، مما دفع طهران إلى تقليص التزاماتها النووية تدريجياً. واليوم، يحذر دبلوماسيون أوروبيون يمتلكون خبرة واسعة في التعامل مع طهران من أن واشنطن، في سعيها لمنح الرئيس ترمب إنجازاً سياسياً، قد تلجأ إلى إبرام اتفاق أمريكي مع إيران يركز فقط على رفع العقوبات وبعض القيود النووية، مع تجاهل القضايا الجوهرية الأخرى مثل برنامج الصواريخ الباليستية والنفوذ الإقليمي، مما يفتح الباب أمام مفاوضات معقدة قد تمتد لسنوات.
تحذيرات أوروبية من أطر تفاوضية هشة
أوضح دبلوماسي أوروبي رفيع المستوى أن القلق الحقيقي لا ينبع من فشل المفاوضات، بل من التوصل إلى اتفاق مبدئي سيئ قد يجلب مشكلات لا حصر لها في المستقبل. وأشار إلى أن انعدام الثقة العميق وتباين أساليب التفاوض بين الأطراف يزيدان من خطر التوصل إلى إطار هش يصعب الحفاظ عليه سياسياً. وفي هذا السياق، تساءلت فيديريكا موغيريني، المنسقة السابقة للسياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي والتي أشرفت على محادثات 2013-2015: «لقد استغرق الأمر منا 12 عاماً وعملاً تقنياً هائلاً، فهل يمكن إنجاز ذلك خلال 21 ساعة فقط؟». كما أشار دبلوماسي آخر إلى أن التوصل إلى اتفاق إطاري قد يكون ممكناً عبر حزمة نووية واقتصادية، لكنه حذر من أن الملف النووي يظل الأكثر تعقيداً، حيث يفتح كل بند فيه الباب أمام عشرات القضايا الخلافية.
التأثير الإقليمي والدولي لسياسة الضغط الأقصى
تتجاوز تداعيات هذه التحركات الدبلوماسية حدود واشنطن وطهران لتشمل الأمن الإقليمي والدولي. فعلى الصعيد الإقليمي، يثير أي تقارب غير مدروس قلق حلفاء واشنطن في الشرق الأوسط الذين يخشون من أن يؤدي رفع العقوبات إلى تعزيز قدرات إيران في تمويل وكلائها في المنطقة. أما على الصعيد الدولي، فإن التهديدات المستمرة تؤثر على استقرار أسواق الطاقة العالمية وأمن الملاحة في المضائق الحيوية. وفي المقابل، صعّد الرئيس ترمب من لهجته، معتبراً أن المفاوضات الحالية في إسلام آباد تمثل «الفرصة الأخيرة» أمام إيران. وصرح لشبكة «فوكس نيوز» بوضوح: «إذا لم توقع إيران اتفاقاً، فسيتم تدمير البلاد بأكملها». وأكد ترمب وجود صراع داخلي في طهران بين المعتدلين والمتشددين، مشيراً في تصريح لصحيفة «نيويورك بوست» إلى أنه لن يسمح لإيران بامتلاك سلاح نووي، ومؤكداً استمرار الحصار خلال فترة المفاوضات.
موقف الإدارة الأمريكية من مسار التفاوض
من جانبها، سارعت الإدارة الأمريكية إلى الدفاع عن استراتيجيتها التفاوضية. وشددت نائبة المتحدثة باسم البيت الأبيض، آنا كيلي، على أن الرئيس ترمب يمتلك سجلاً حافلاً وناجحاً في إبرام الاتفاقيات الدولية المعقدة. وأكدت بشكل قاطع أنه «لن يقبل إلا باتفاق يضع الولايات المتحدة الأمريكية أولاً»، مما يعكس إصرار واشنطن على فرض شروطها، حتى وإن أدى ذلك إلى تصادم مع الرؤية الأوروبية التي تفضل التدرج والضمانات طويلة الأمد على الحلول السريعة.


