يواجه الاتحاد الأوروبي اتهامات متزايدة بالتواطؤ في انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان بسبب دعمه المالي واللوجستي للسلطات الليبية، والذي يهدف بشكل أساسي إلى منع المهاجرين واللاجئين من الوصول إلى الشواطئ الأوروبية. وتكشف التقارير الصادرة عن منظمات حقوقية دولية أن هذا الدعم يساهم بشكل مباشر في سياسات قمع المهاجرين في ليبيا، حيث يتم اعتراضهم في عرض البحر وإعادتهم قسراً إلى ظروف مروعة في مراكز احتجاز تفتقر لأدنى المعايير الإنسانية، وهو ما تصفه الأمم المتحدة بأنه قد يرقى إلى جرائم ضد الإنسانية.
جذور الأزمة: ليبيا كبوابة عبور إلى أوروبا
منذ الإطاحة بنظام معمر القذافي في عام 2011 بدعم من حلف شمال الأطلسي (الناتو)، غرقت ليبيا في حالة من الفوضى السياسية والانقسام، مما حولها إلى نقطة انطلاق رئيسية للمهاجرين الفارين من النزاعات والفقر المدقع في أفريقيا والشرق الأوسط. استغلت شبكات تهريب البشر هذا الفراغ الأمني، وأصبحت السواحل الليبية الممتدة مسرحاً لرحلات محفوفة بالمخاطر عبر البحر الأبيض المتوسط، الذي يعد أحد أخطر طرق الهجرة في العالم. وفي مواجهة أزمة الهجرة التي بلغت ذروتها في عام 2015، تبنى الاتحاد الأوروبي استراتيجية تهدف إلى “أقلمة” حدوده، أي نقل مسؤولية السيطرة على الهجرة إلى دول العبور، وفي مقدمتها ليبيا.
استراتيجية الاتحاد الأوروبي: دعم مثير للجدل لقمع المهاجرين في ليبيا
تتضمن استراتيجية الاتحاد الأوروبي تقديم مئات الملايين من اليوروهات للسلطات الليبية، بما في ذلك خفر السواحل الليبي الذي تتهمه منظمات حقوقية بالتنسيق مع الميليشيات وشبكات التهريب. يشمل الدعم توفير زوارق دورية، ومعدات تقنية، وتدريب الكوادر لتمكينهم من اعتراض قوارب المهاجرين في المياه الدولية وإعادتهم إلى ليبيا. وعلى الرغم من أن الاتحاد الأوروبي لا يعترف رسمياً إلا بالحكومة المعترف بها دولياً في طرابلس، فقد وسّع تعاونه ليشمل السلطات المنافسة في شرق البلاد، مما يعمق حالة الانقسام ويزيد من تعقيد المشهد.
تصف منظمات مثل “هيومن رايتس ووتش” و”منظمة العفو الدولية” هذا التعاون بأنه تواطؤ غير مباشر في الانتهاكات المروعة التي يتعرض لها المهاجرون. فبمجرد إعادتهم إلى الأراضي الليبية، يتم زجهم في مراكز احتجاز مكتظة وغير إنسانية، حيث يتعرضون للتعذيب، والعمل القسري، والابتزاز، والعنف الجنسي، دون أي فرصة لطلب اللجوء أو الطعن في قرار ترحيلهم.
مبررات بروكسل وأصوات حقوقية تدين
يدافع مسؤولو الاتحاد الأوروبي عن تعاونهم مع ليبيا، مؤكدين أنه يساهم في إنقاذ الأرواح في البحر وتفكيك شبكات الاتجار بالبشر. وصرحت رئيسة المفوضية الأوروبية، أورسولا فون دير لاين، بأن “استمرار تعاون الاتحاد الأوروبي مع ليبيا يظل أمراً لا غنى عنه”، مشيرة إلى أهمية تعزيز إدارة الحدود ومكافحة الهجرة غير الشرعية. ومع ذلك، ترى ديانا الطحاوي، نائبة مديرة المكتب الإقليمي للشرق الأوسط وشمال أفريقيا في منظمة العفو الدولية، أن هذا الدعم يجعل الاتحاد الأوروبي “شريكاً في الانتهاكات والتجاوزات المروعة”. وأضافت أن توسيع نطاق هذا التعاون ليشمل جماعات مسلحة لها سجل حافل بارتكاب جرائم حرب وانتهاكات أخرى دون عقاب، “يظهر استخفافاً صادماً بحياة الإنسان وكرامته”.


