رسائل عصام بن سعيد: التواضع أساس النجاح
في جلسة حوارية ملهمة بجامعة الملك سعود، قدم معالي وزير الدولة وعضو مجلس الوزراء لشؤون مجلس الشورى، الدكتور عصام بن سعيد، نموذجاً عملياً في القيادة الرشيدة والقيم الإنسانية، مؤكداً أن التواضع هو مفتاح التعلم المستمر وأن الحكمة ليست حكراً على أصحاب المناصب العليا. وشدد على أن السعي نحو الكمال وهم، وأن الغطرسة قد تكون أكبر عائق أمام تطور الإنسان، داعياً إلى الاستفادة من خبرات كبار السن والبسطاء الذين وصفهم بـ«مدارس في الحياة»، واستلهام تجاربهم الثرية في مختلف جوانب الحياة.
تأتي هذه التصريحات في سياق توجه المملكة نحو تعزيز رأس المال البشري وتنمية القيادات الشابة كأحد مرتكزات رؤية 2030. إن مشاركة شخصية رفيعة المستوى مثل الدكتور عصام بن سعيد خبراته ورؤاه مع جيل الشباب في صرح أكاديمي عريق، يعكس حرص القيادة على ترسيخ ثقافة إدارية حديثة مبنية على الشفافية، والمسؤولية، والقيم الأخلاقية، حيث لم تعد العلاقة بين المسؤول والمجتمع تقتصر على القرارات الرسمية، بل امتدت لتشمل الحوار المباشر ونقل الخبرات الإنسانية والمهنية.
الحكمة في البساطة: دروس من السائق والفراش
أوضح الدكتور عصام بن سعيد أنه لا يوجد كمال مطلق في العمل البشري، لافتاً إلى أن الحكمة قد تأتي من مصادر غير متوقعة مثل «السائق» أو «الفراش». وفي هذا السياق، قال: “يعمل معي مستشارون وباحثون وأستفيد من أطروحاتهم، كذلك قد يأتي سائق أو موظف بسيط بآراء قيّمة تستحق الأخذ بها”. هذه الرؤية تتجاوز الهياكل التنظيمية التقليدية لترسخ مبدأ الإدارة الشاملة التي تقدر كل فرد في المنظومة، وتؤمن بأن وجهات النظر المختلفة، بغض النظر عن مصدرها، تساهم في تكوين صورة أوضح واتخاذ قرارات أكثر صواباً. إن هذا النهج لا يعزز فقط من جودة العمل، بل يرفع الروح المعنوية ويخلق بيئة عمل إيجابية يشعر فيها الجميع بالتقدير.
تحذير من الغطرسة ودعوة للتطور المستمر
حذر الوزير من آفة الغطرسة التي قد تصيب الإنسان كلما ارتقى في مكانته، مشيراً إلى أن المسؤول الذي يتقي الله في عمله ويخلص لوطنه وولاة أمره، لا بد أن يتحرى الدقة ويتجنب الوقوع في وهم الكمال. وأضاف: «مهما بلغ الإنسان، يظل في دائرة التعلم، حتى من أبسط الناس». هذا التحذير يمثل دعوة صريحة لتبني عقلية النمو المستمر، وهي العقلية التي تؤمن بأن القدرات يمكن تطويرها من خلال التفاني والعمل الجاد، وأن النقد البناء والآراء المخالفة هي فرص للتعلم وليست تهديداً للمكانة. فالتطور الحقيقي يبدأ من الاعتراف بالنقص والسعي الدائم لتحسين الذات والعمل.
أبعد من المنصب: قيم أخلاقية كأساس للنجاح
في جانب آخر من حديثه، تطرق الدكتور عصام بن سعيد إلى أهمية القيم الأسرية، مؤكداً أن بر الوالدين وصلة الرحم هما من أعظم أسباب التوفيق. وروى أنه قضى سنوات طويلة إلى جانب والديه رغم امتلاكه منزلاً مستقلاً، عازياً ما وصل إليه من نجاح إلى توفيق الله أولاً، ثم إلى بره بوالديه. وأكد أن صلة الأرحام، وخصوصاً العلاقة بالأخت، تأتي في مقدمة أولوياته. هذه اللفتة الإنسانية تعكس عمق الموروث الثقافي والاجتماعي الذي يرى في الأسرة النواة الصلبة للمجتمع، وأن النجاح المهني لا يكتمل إلا بالنجاح على الصعيد الإنساني والأسري، وهو ما يمنح القائد بعداً أخلاقياً يجعله أكثر تأثيراً وقرباً من الناس.


