
شهد التصعيد بين باكستان وطالبان منعطفاً خطيراً وغير مسبوق خلال الأيام القليلة الماضية، حيث انتقلت العلاقات المتوترة من مرحلة الاتهامات المتبادلة إلى المواجهة العسكرية المباشرة. وتستمر الضربات الجوية والمناوشات الليلية لليوم الرابع على التوالي على طول الشريط الحدودي الممتد لنحو 2600 كيلومتر، مما يضع منطقة جنوب آسيا أمام سيناريوهات أمنية معقدة قد تعيد تشكيل التحالفات في المنطقة، وسط قلق دولي متزايد من خروج الوضع عن السيطرة.
عملية «غضب للحق» واستراتيجية الردع
في تحرك عسكري حاسم، أكدت المصادر الأمنية في إسلام آباد استمرار العملية العسكرية التي أطلقت عليها اسم «غضب للحق». وتركزت هذه العملية عبر غارات جوية دقيقة استهدفت معاقل تابعة لحركة «طالبان باكستان» (TTP) داخل العمق الأفغاني، وتحديداً في ولايتي خوست وبكتيكا. وتبرر المؤسسة العسكرية الباكستانية هذه التحركات بأنها ضرورة قصوى للأمن القومي ورداً حتمياً على الهجمات المتكررة التي تنطلق من الأراضي الأفغانية، بينما تعتبر حكومة كابول هذه الغارات خرقاً لسيادتها، متوعدة بالرد المناسب.
جذور الأزمة: خط ديورند والإرث الاستعماري
لفهم عمق هذا الصراع، لا يمكن تجاهل البعد التاريخي المتمثل في «خط ديورند» الذي رسمه الاستعمار البريطاني عام 1893 للفصل بين الهند البريطانية (باكستان حالياً) وأفغانستان. لطالما رفضت الحكومات الأفغانية المتعاقبة، بما فيها حكومة طالبان الحالية، الاعتراف بهذا الخط كحدود دولية نهائية، حيث يقسم الخط قبائل البشتون التي تعيش على جانبيه. ومع عودة طالبان للسلطة في كابول عام 2021، تبددت آمال إسلام آباد في تأمين جبهتها الغربية، لتجد نفسها في مواجهة تحديات أمنية متجددة تغذيها النزعات القومية والولاءات القبلية العابرة للحدود.
تداعيات التصعيد بين باكستان وطالبان على الأمن الإقليمي
تتجاوز مخاطر التصعيد بين باكستان وطالبان حدود الدولتين لتشمل تداعيات جيوسياسية واقتصادية واسعة. يرى الخبراء أن استمرار التوتر يهدد بشكل مباشر المشاريع الاقتصادية الاستراتيجية، وعلى رأسها الممر الاقتصادي الصيني-الباكستاني (CPEC)، الذي تعول عليه إسلام آباد لإنعاش اقتصادها. كما أن الفراغ الأمني المحتمل قد يمنح فرصة ذهبية لتنظيمات متطرفة أخرى مثل «داعش-خراسان» لتعزيز نفوذها في المناطق الحدودية الرخوة، مما يشكل تهديداً للأمن العالمي وليس الإقليمي فحسب.
مستقبل العلاقات: بين فوهة البندقية والمسار الدبلوماسي
رغم التفوق النوعي للجيش الباكستاني، إلا أن حركة طالبان تلوح بورقة حرب العصابات والاستنزاف الطويل، وهو ما حذر منه وزير داخلية طالبان سراج الدين حقاني. وفي محاولة لاحتواء الموقف، نشطت الدبلوماسية الإقليمية، حيث برزت اتصالات مكثفة بين وزراء خارجية دول الجوار والقوى الكبرى مثل الصين والولايات المتحدة، داعية إلى الوقف الفوري للأعمال العدائية وتغليب لغة الحوار لتجنب كارثة إنسانية وموجات نزوح جديدة قد لا تحتملها المنطقة.


