مع اقتراب نهاية العام الدراسي 1445هـ، وبدء الإجازة الصيفية للطلاب والطالبات في معظم مناطق المملكة العربية السعودية يوم الخميس، تعود إلى الواجهة مجدداً قضية مجتمعية وتربوية هامة، وهي ظاهرة امتهان الكتب المدرسية. ففيما يستعد غالبية الطلاب للاستمتاع بعطلتهم، ينتظر زملاؤهم في مكة المكرمة، والمدينة المنورة، ومحافظتي جدة والطائف أسبوعاً إضافياً لاستكمال اختباراتهم التحريرية والنهائية، وذلك وفقاً للتقويم الدراسي الذي أقرته وزارة التعليم مراعاةً لظروف موسم الحج وما يرافقه من كثافة مرورية. ومع هذا التوقيت من كل عام، تتكرر المشاهد غير الحضارية لتمزيق الكتب وإلقائها في الشوارع المحيطة بالمدارس، مما يثير استياءً واسعاً ومطالبات بوضع حد لهذه الممارسات السلبية.
خلفيات الظاهرة وأبعادها التربوية
لا تعد ظاهرة امتهان الكتب المدرسية وليدة اللحظة، بل هي سلوك سلبي متكرر يرتبط بنهاية الاختبارات، حيث يعبر بعض الطلاب عن فرحتهم بانتهاء عام دراسي شاق بطريقة خاطئة، عبر إتلاف المقررات التي كانت رفيقتهم طوال العام. يعكس هذا السلوك غياب الوعي بقيمة الكتاب ومكانة العلم، ويتنافى مع المبادئ الدينية والثقافية التي تحث على احترام المعرفة. إن الكتاب المدرسي ليس مجرد أوراق، بل هو وعاء للعلم وخلاصة لجهود كبيرة بذلتها الدولة في إعداده وطباعته وتوزيعه مجاناً على ملايين الطلاب، مما يجعل إتلافه هدراً للموارد المالية والجهود البشرية.
تأثيرات سلبية تتجاوز أسوار المدارس
إن تبعات هذه الظاهرة لا تقتصر على المشهد غير اللائق بصرياً، بل تمتد لتشمل أبعاداً أعمق. فعلى الصعيد البيئي، تساهم هذه الأوراق الممزقة في تلويث البيئة وتزيد من أعباء عمال النظافة. أما على الصعيد التربوي، فإنها ترسخ لدى النشء قيماً سلبية تتمثل في عدم تحمل المسؤولية وعدم تقدير الممتلكات العامة. كما أنها تمثل نموذجاً سيئاً للأجيال الأصغر سناً. وقد طالب عدد من أولياء الأمور والتربويين بضرورة تفعيل إجراءات حاسمة لمواجهة هذه المشكلة، مؤكدين أن الحل يكمن في تضافر جهود المدرسة والأسرة والمجتمع.
نحو حلول مستدامة: مسؤولية مشتركة
لمواجهة هذه الظاهرة، يقترح الخبراء التربويون حزمة من الحلول المتكاملة. تبدأ من داخل المدرسة عبر تخصيص مشرفين من المعلمين والإداريين لمراقبة الطلاب عند خروجهم من قاعات الاختبار ومنع إخراج الكتب. كما شددوا على أهمية توفير حاويات مخصصة لجمع الكتب والدفاتر بشكل منظم داخل أسوار المدرسة، تمهيداً لإعادة تدويرها أو الاستفادة منها. وإلى جانب ذلك، يجب تكثيف الرسائل التوعوية الموجهة للطلاب والأسر قبل وأثناء فترة الاختبارات، للتأكيد على قدسية العلم وأهمية الحفاظ على الكتاب. ويقع على عاتق الأسرة الدور الأكبر في غرس هذه القيم في نفوس أبنائها، وتشجيعهم على التبرع بكتبهم أو الاحتفاظ بها كمرجع للمستقبل، بدلاً من امتهانها بهذا الشكل المؤسف.


