انطلاق محاكمة أكرم إمام أوغلو وسط توترات غير مسبوقة
شهدت محكمة سيليفري الجزائية في إسطنبول، اليوم الإثنين، انطلاق أولى جلسات محاكمة رئيس بلدية إسطنبول السابق والمعزول، أكرم إمام أوغلو (55 عاماً). تأتي هذه المحاكمة بعد مرور نحو عام كامل على اعتقاله، لتفتح الستار عن واحدة من أضخم القضايا في التاريخ السياسي والقضائي الحديث لتركيا. ويواجه إمام أوغلو، إلى جانب 407 متهمين آخرين، اتهامات في قضية فساد واسعة النطاق أثارت جدلاً محلياً ودولياً واسعاً.
لائحة اتهام ضخمة وعقوبات خيالية
طالبت النيابة العامة التركية بإنزال عقوبة سجن إجمالية تتجاوز 2300 عام بحق إمام أوغلو، استناداً إلى لائحة اتهام ضخمة تتراوح صفحاتها بين 3800 و4000 صفحة. وتتضمن اللائحة 142 تهمة رئيسية، من أبرزها: تأسيس وقيادة منظمة إجرامية داخل هيكل بلدية إسطنبول الكبرى، وتلقي الرشوة، والابتزاز، وغسل الأموال، والاحتيال على مؤسسات الدولة، فضلاً عن الفساد في المناقصات العامة. وتزعم النيابة أن هذه الشبكة تسببت في أضرار مالية لخزينة الدولة تقدر بمليارات الليرات التركية على مدار عدة سنوات.
أجواء مشحونة داخل قاعة المحكمة
وفقاً لما نقلته وكالة الأناضول، اتسمت الجلسة الأولى بتوتر شديد منذ اللحظات الأولى. فقد دخل إمام أوغلو قاعة المحكمة وسط تصفيق حار من أنصاره والحاضرين، إلا أن الأجواء سرعان ما تدهورت إثر اشتباك لفظي بينه وبين القاضي. جاء ذلك بعد أن رفض الأخير طلب إمام أوغلو بإلقاء كلمة افتتاحية للدفاع عن نفسه في بداية الجلسة. هذا التوتر دفع القاضي إلى إعلان استراحة لمدة ساعتين لتهدئة الأجواء، وهي خطوة قوبلت بانتقادات لاذعة من قبل إمام أوغلو وهيئة دفاعه.
قائمة المتهمين: شخصيات بارزة ومعارضون
لا تقتصر القضية على إمام أوغلو وحده، بل تشمل 407 أشخاص، يوجد 105 منهم قيد الحبس الاحتياطي. وتضم قائمة المتهمين أسماء بارزة من بينها محامو إمام أوغلو، والمتحدث الرسمي باسمه، ورؤساء بلديات آخرون ينتمون للمعارضة. كما شملت اللائحة صحفيين بارزين مثل “روشن شاكير”، الذي يُعد من أبرز الأصوات الليبرالية الناقدة في تركيا. ويُذكر أن معظم المتهمين كانوا قد عملوا في مناصب مختلفة داخل بلدية إسطنبول الكبرى خلال فترة تولي إمام أوغلو رئاستها.
السياق العام والخلفية التاريخية للحدث
لفهم أبعاد هذه المحاكمة، يجب العودة إلى الخلفية التاريخية والصعود السياسي السريع لأكرم إمام أوغلو. ينتمي إمام أوغلو إلى حزب الشعب الجمهوري، وهو أكبر أحزاب المعارضة التركية. برز نجمه بقوة في عام 2019 عندما حقق فوزاً تاريخياً بانتخابات رئاسة بلدية إسطنبول، منهياً بذلك سيطرة استمرت لعقود من قبل الحزب الحاكم. ورغم إلغاء نتائج الانتخابات الأولى، عاد إمام أوغلو ليفوز بفارق أكبر في انتخابات الإعادة، مما رسخ مكانته كأقوى شخصية معارضة في البلاد. ولم تكن هذه المحاكمة هي الصدام الأول له مع القضاء؛ فقد واجه سابقاً في عام 2022 حكماً قضائياً بتهمة إهانة مسؤولين حكوميين، وهو ما اعتبرته المعارضة حينها تمهيداً لتحجيم دوره.
أهمية الحدث وتأثيره المتوقع محلياً ودولياً
تكتسب هذه المحاكمة أهمية بالغة نظراً لتأثيرها المباشر على مستقبل تركيا السياسي. محلياً، يُنظر إلى إمام أوغلو على أنه المنافس الأقوى والأكثر حظوظاً لمواجهة الرئيس رجب طيب أردوغان في الانتخابات الرئاسية المقررة عام 2028. وقد اتخذت القضية بُعداً أكثر تعقيداً مع توقيت اعتقاله في مارس 2025، وهو ذات اليوم الذي أعلن فيه حزبه رسمياً ترشيحه للرئاسة، مما أشعل موجة من الاحتجاجات الواسعة وحملات الاعتقال. إقصاء إمام أوغلو من المشهد قد يعيد رسم خريطة التحالفات السياسية في تركيا ويضعف جبهة المعارضة بشكل كبير.
على الصعيد الدولي، تثير هذه المحاكمة قلقاً واسعاً بشأن حالة الديمقراطية واستقلالية القضاء. وقد سارعت منظمات حقوقية دولية كبرى، مثل هيومن رايتس ووتش ومنظمة العفو الدولية، إلى إدانة المحاكمة بشدة، واصفة إياها بأنها ذات دوافع سياسية وسلاح للقضاء على المعارضة. كما اعتبرت هذه المنظمات أن العقوبة المطلوبة سخيفة وغير واقعية. ورغم أن القانون التركي يضع حداً أقصى للتنفيذ الفعلي للعقوبات المتعددة يتراوح عادة بين 30 إلى 40 عاماً في حال الإدانة، إلا أن مجرد المطالبة بهذه الأرقام الفلكية يبعث برسائل سياسية قوية للداخل التركي والمجتمع الدولي على حد سواء.


