في خطوة حاسمة تهدف إلى دحض الشائعات المتداولة وطمأنة الجالية السودانية الكبيرة المتواجدة على الأراضي المصرية، نقلت القيادة السياسية في مصر رسائل واضحة ومباشرة تؤكد التزام القاهرة التاريخي بدعم الشعب السوداني الشقيق في ظل الظروف الاستثنائية التي تمر بها بلادهم. وقد جاءت هذه التطمينات لتقطع الطريق أمام المخاوف المتزايدة بشأن احتمالية فرض عودة قسرية على اللاجئين والمقيمين السودانيين.
رسالة طمأنة من أعلى المستويات
نقل رئيس الوزراء السوداني، الدكتور كامل إدريس، عقب زيارة رسمية ناجحة إلى القاهرة، تأكيدات مباشرة من الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي. وأوضح إدريس أن القيادة المصرية شددت على أن مصر لن تتخذ أي إجراءات تعسفية لإجبار السودانيين على العودة إلى ديارهم قبل استقرار الأوضاع الأمنية والسياسية في السودان. وأشار إلى أن الإجراءات التنظيمية الأخيرة التي اتخذتها السلطات المصرية تندرج تحت إطار الحفاظ على الأمن القومي وتنظيم الوجود الأجنبي بشكل عام، ولا تستهدف بأي شكل من الأشكال التضييق على الأشقاء السودانيين.
السياق الإنساني وعمق العلاقات التاريخية
تأتي هذه التصريحات في وقت بالغ الحساسية، حيث يعاني السودان من تداعيات نزاع داخلي أدى إلى نزوح مئات الآلاف نحو دول الجوار، وكانت مصر هي الوجهة الأولى للكثيرين بحكم الجوار الجغرافي والروابط التاريخية العميقة. وتؤكد هذه الخطوة المصرية على ثوابت السياسة الخارجية للقاهرة التي طالما اعتبرت السودان عمقاً استراتيجياً وأمنياً، حيث تعاملت مصر مع الأزمة السودانية منذ اندلاعها بمنظور الأخوة، فاتحة أبوابها لاستقبال الفارين من ويلات الحرب، رغم التحديات الاقتصادية العالمية.
تسهيلات استثنائية في الصحة والتعليم
لم تقتصر التطمينات على الجانب الأمني فحسب، بل شملت حزمة من التسهيلات الإنسانية التي كشف عنها رئيس الوزراء السوداني، وتضمنت:
- استثناءات الإقامة: معالجة أوضاع فئات محددة تشمل كبار السن، المرضى، وذوي الاحتياجات الخاصة، بما يضمن لهم إقامة كريمة.
- الرعاية الصحية: تيسير إجراءات تلقي العلاج والحصول على الدواء داخل المستشفيات المصرية.
- ملف التعليم: في بشرى سارة للطلاب وأسرهم، وافقت مصر على إقامة امتحانات الشهادة السودانية (الأساس والثانوي) داخل أراضيها خلال شهر أبريل المقبل، مع توفير التأمين والدعم اللوجستي الكامل لضمان عدم ضياع العام الدراسي.
شراكة استراتيجية ووحدة الأمن المائي
على الصعيد الاستراتيجي، تجاوزت المباحثات الشق الإنساني لتؤكد على وحدة المصير بين البلدين. فقد اتفقت اللجنة التنسيقية العليا على تكثيف التعاون الاقتصادي ومشاركة الشركات المصرية في مشاريع إعادة الإعمار المرتقبة في السودان، وتحديداً في قطاعات الكهرباء والمياه والبنية التحتية. وفيما يخص ملف مياه النيل، جدد الجانبان التأكيد على أن الأمن المائي لمصر والسودان «كل لا يتجزأ»، معلنين الرفض القاطع لأي إجراءات أحادية في حوض النيل الشرقي قد تضر بدول المصب، ومطالبين بالالتزام بمبادئ القانون الدولي، مما يعكس تنسيقاً عالي المستوى في مواجهة التحديات الإقليمية المشتركة.


