في ظل أمواج متلاطمة من التحولات التكنولوجية التي تعيد تشكيل الوعي الجمعي، أكد مفتي الديار المصرية، الدكتور نظير عياد، أن المؤسسات الدينية الرسمية تقف اليوم أمام مسؤولية تاريخية تتجاوز الأدوار التقليدية. وفي حوار شامل، شدد فضيلته على ضرورة تعامل مؤسسات الإفتاء مع معطيات العصر الرقمي بعقلية منضبطة تجمع بين الأصالة والمعاصرة، مشيراً إلى أن الفتوى لم تعد مجرد بيان للحكم الشرعي، بل أصبحت «صناعة حضارية» تهدف إلى حماية الأمن الفكري وصيانة الاستقرار المجتمعي.
عراقة المؤسسة وتحديات العصر الرقمي
لا يمكن قراءة تصريحات مفتي الديار المصرية بمعزل عن السياق التاريخي العريق لدار الإفتاء المصرية، التي تأسست في عام 1895م، وظلت طوال عقود منارة للوسطية والاعتدال في العالم الإسلامي. واليوم، تواجه هذه المؤسسة العريقة تحدياً غير مسبوق يتمثل في «الفضاء الأزرق» والذكاء الاصطناعي، حيث لم يعد العالم قرية صغيرة فحسب، بل غرفة واحدة تتناقل فيها المعلومات بسرعة البرق. ومن هنا، تأتي أهمية الرؤية التي طرحها الدكتور نظير عياد، والتي تؤسس لمنهجية علمية لا ترفض التكنولوجيا، بل توظفها لخدمة المقاصد الشرعية، مما يقطع الطريق على فوضى الفتاوى الشاذة التي تجد في الفضاء الرقمي بيئة خصبة للانتشار.
منهجية مفتي الديار المصرية في ضبط الفتوى
أوضح الدكتور عياد أن دار الإفتاء تعتمد المنهج الأزهري الرصين الذي يوازن بين النص الشرعي الثابت والواقع المتغير. وفيما يتعلق بالقضايا المستجدة التي لم يرد فيها نص صريح، تلجأ الدار إلى الاجتهاد الجماعي، مستعينة بأهل الاختصاص في الطب، والاقتصاد، والتكنولوجيا، وعلم النفس. هذا النهج يضمن خروج الفتوى مبنية على تصور دقيق للواقع، مما يعزز من مصداقية المؤسسة الدينية ويجعلها مرجعية آمنة للشباب الباحث عن الحقيقة وسط ركام المعلومات المغلوطة.
التأثير الإقليمي والدولي لضبط الخطاب الديني
تكتسب هذه التحركات أهمية بالغة تتجاوز الحدود المحلية؛ فضبط الفتوى رقمياً في مصر يلقي بظلاله الإيجابية على المشهد الديني إقليمياً ودولياً. إن التنسيق المستمر بين المؤسسات الدينية الكبرى، مثل التعاون الوثيق بين دار الإفتاء المصرية وهيئة كبار العلماء في المملكة العربية السعودية، يمثل حائط صد منيع أمام تيارات الغلو والتطرف. هذا التعاون يساهم في توحيد الرؤى حول القضايا الكبرى التي تهم الأمة الإسلامية، ويعزز من قيم التعايش والسلام العالمي، مقدماً صورة ناصعة للإسلام تتنافى مع ممارسات الجماعات التي تختطف النصوص الدينية لتبرير العنف.
تمكين المرأة وتجديد الفقه
وفي سياق التجديد، لفت المفتي إلى الدور المتصاعد للمرأة في الحقل الإفتائي، حيث تم اعتمادها كـ «أمينة فتوى»، وهو ما يعكس التزام الدار بمنهج وسطي ينصف المرأة ويشركها في صناعة الوعي. كما تطرق فضيلته إلى قضية «التجديد الفقهي»، واصفاً إياه بالضرورة الشرعية التي تفرضها مستجدات العصر، شريطة أن يكون منضبطاً بضوابط الشرع ولا يمس الثوابت القطعية.
رسائل رمضانية وتكافل اجتماعي
واختتم مفتي الديار المصرية حديثه بتوجيهات رمضانية، مباركاً الممارسات الاجتماعية الحديثة مثل التبرعات الإلكترونية بشرط انضباطها، ومجيزاً إخراج زكاة الفطر نقداً تيسيراً على الناس في ظل الظروف الاقتصادية الراهنة. كما وجه رسالة محبة وتقدير للمملكة العربية السعودية، قيادة وشعباً، مثمناً دورها في خدمة الحرمين الشريفين وقضايا الأمة، وداعياً الله أن يعيد الشهر الفضيل على الأمة الإسلامية بالخير واليمن والبركات.


