في الدول التي تختبر توازنها على حافة الاستحقاقات الكبرى، لا تُدار المعركة فقط في صناديق الاقتراع، بل في الظل أيضاً؛ حيث تتقاطع الحسابات الأمنية مع رهانات الشرعية. هكذا بدت الصورة في أديس أبابا وهي تدخل العد التنازلي لتنظيم الانتخابات الإثيوبية العامة، وسط عملية أمنية واسعة تحمل رسائل تتجاوز ببعدها الميداني لتشمل الاستقرار الوطني. أعلنت السلطات الإثيوبية تنفيذ ضربة استباقية واسعة أسفرت عن توقيف 138 مشتبهاً بهم، بتهم الارتباط بجماعات إرهابية ومتطرفة، في سياق مخططات استهدفت زعزعة الاستقرار وعرقلة مسار التصويت المقرر مطلع يونيو المقبل.
السياق التاريخي والتحديات الأمنية قبل الانتخابات الإثيوبية
تأتي هذه التطورات في وقت حساس من تاريخ البلاد الحديث، حيث لطالما شكلت الاستحقاقات السياسية في منطقة القرن الأفريقي محطات مفصلية تترافق مع توترات أمنية بالغة التعقيد. تاريخياً، واجهت إثيوبيا تحديات داخلية متعددة تتعلق بالتنوع العرقي والديني، فضلاً عن النزاعات المسلحة في بعض الأقاليم التي ألقت بظلالها على المشهد السياسي العام. هذه التراكمات التاريخية تجعل من تأمين الانتخابات الإثيوبية أولوية قصوى للحكومة الفيدرالية، التي تسعى لإثبات قدرتها على بسط سيادة القانون وتجاوز الانقسامات المجتمعية لضمان انتقال سياسي سلس يعزز من شرعية مؤسسات الدولة ويحمي النسيج الوطني.
تفاصيل العملية الاستباقية والمخططات التخريبية
العملية الأمنية التي قادها جهاز الأمن والمخابرات الوطني الإثيوبي، نُفذت بتنسيق مركّب بين الأجهزة الفيدرالية والإقليمية، وشملت نطاقاً جغرافياً متعدد البؤر. ووفق المعطيات الرسمية، فإن الشبكات الموقوفة كانت تعمل على تشكيل خلايا مرتبطة بجماعات مسلحة، وتوفير دعم لوجستي واستخباراتي لها، مع التخطيط لتنفيذ هجمات داخل مراكز حضرية حساسة، من بينها العاصمة أديس أبابا. وتشير التحقيقات إلى أن هذه الأنشطة لم تكن معزولة، بل جاءت ضمن مقاربة منظمة تستهدف تقويض الاستقرار الداخلي وإعادة إنتاج التوترات العرقية والدينية، بالتوازي مع تعطيل العملية الانتخابية في مناطق محددة.
لم تكن الأبعاد الاقتصادية بعيدة عن المشهد؛ إذ أظهرت التحقيقات تورط عناصر من الشبكة في تهريب الأسلحة والاتجار غير المشروع بالبشر، ما انعكس على سلاسل الإمداد وأدى إلى اضطرابات في توفر بعض السلع الأساسية، وهو ما يضيف طبقة ضغط إضافية على بيئة انتخابية حساسة. وخلال العملية، أعلنت السلطات ضبط ترسانة متنوعة شملت أسلحة وذخائر وقنابل، إلى جانب عملات أجنبية ومواد مهربة كانت في طريقها إلى تلك الشبكات.
ارتباطات خارجية مع تنظيمات إرهابية دولية
البيان الأمني رسم ملامح شبكة معقدة من الأدوار؛ من التحريض والتعبئة، إلى التمويل والتسليح، مروراً بتأمين معدات عسكرية وأجهزة اتصال، وصولاً إلى التنسيق الميداني. كما كشف عن ارتباطات خارجية خطيرة، حيث تلقى بعض الموقوفين تدريبات عبر قنوات مرتبطة بتنظيمات إرهابية دولية وإقليمية مثل حركة الشباب الصومالية وتنظيم داعش. هذا المؤشر الخطير يدل على تداخل المحلي بالإقليمي في التهديدات الأمنية، ومحاولة هذه التنظيمات استغلال الانشغال الداخلي بالانتخابات لخلق موطئ قدم جديد لها في القرن الأفريقي.
الأهمية الاستراتيجية وتأثير الحدث محلياً وإقليمياً
سياسياً واستراتيجياً، تحمل هذه العملية رسائل مزدوجة وعميقة التأثير. في الداخل، تؤكد على جاهزية الدولة لاحتواء التهديدات وضمان حد أدنى من الاستقرار قبيل الاستحقاق الانتخابي، خاصة مع إعلان المجلس الوطني للانتخابات تسجيل أكثر من 46.7 مليون ناخب للمشاركة في الانتخابات العامة السابعة. هذا الرقم الضخم يعكس حجم الرهان على هذا الاستحقاق وتعقيداته في آن واحد. أما في الخارج، فهي إشارة واضحة للمجتمع الدولي ودول الجوار الإقليمي إلى أن أديس أبابا تمضي في إدارة ملفها الأمني ضمن مقاربة استباقية حازمة، قادرة على حماية أمنها القومي ومنع تصدير الفوضى إلى دول الجوار.
بين ضرورات الأمن واستحقاقات السياسة، تبدو إثيوبيا أمام اختبار دقيق: تأمين العملية الانتخابية دون أن تتحول المقاربة الأمنية إلى عبء على مناخها السياسي، وهي معادلة لطالما شكلت التحدي الأصعب في الدول التي تعبر مراحل إعادة التوازن وبناء مؤسساتها الوطنية.


