مع تصاعد حدة التوترات العسكرية في الشرق الأوسط، وتزايد وتيرة التهديدات المتبادلة بين إسرائيل وإيران، عاد اسم مفاعل ديمونة ليتصدر المشهد الإعلامي والسياسي. لم يعد الحديث عن هذا المفاعل يقتصر على قدراته أو سياسة "الغموض النووي" التي تحيط به، بل انتقل النقاش إلى مربع أكثر خطورة يتعلق بمصير المنطقة بأسرها في حال تعرضت هذه المنشأة الحساسة لضربة صاروخية مباشرة أو خطأ عسكري غير محسوب.
جذور المشروع: من حلم بن غوريون إلى "الغموض الاستراتيجي"
لفهم خطورة الموقف الحالي، لا بد من العودة إلى البدايات. تأسس مفاعل ديمونة (مركز شمعون بيريز للأبحاث النووية) في أواخر خمسينيات القرن الماضي في قلب صحراء النقب، بدعم تقني ولوجستي كبير من فرنسا. كان الهدف الأساسي لرئيس الوزراء الإسرائيلي آنذاك، ديفيد بن غوريون، هو تأمين "بوليصة تأمين" لضمان بقاء الدولة العبرية وسط محيط معادٍ.
وعلى مدار عقود، شكل المفاعل العمود الفقري لاستراتيجية الردع الإسرائيلية، حيث تشير تقديرات معاهد دولية، مثل معهد ستوكهولم لأبحاث السلام، إلى أن إسرائيل استخدمت هذا المفاعل لإنتاج البلوتونيوم اللازم لتطوير ترسانة نووية تتراوح بين 80 و400 رأس حربي، رغم عدم اعتراف تل أبيب بذلك رسمياً.
شيخوخة مفاعل ديمونة: قنبلة موقوتة قبل الصواريخ
بعيداً عن التهديد الخارجي، يواجه المفاعل تحدياً ذاتياً لا يقل خطورة، وهو "التقادم التقني". المفاعل الذي صُمم ليعمل لمدة 40 عاماً، تجاوز عمره الافتراضي بعقدين من الزمن. وقد كشفت تقارير علمية سابقة، نُشرت مقتطفات منها في الصحافة العبرية، عن رصد أكثر من 1500 عيب وتشقق في القلب المعدني للمفاعل نتيجة التعرض المستمر للإشعاع النيوتروني والحرارة العالية.
هذه الهشاشة الهيكلية تجعل من أي هزة أرضية قوية أو موجة انفجارية قريبة ناتجة عن صاروخ باليستي، خطراً داهماً قد يؤدي إلى تصدع الاحتواء وتسرب مواد مشعة، حتى دون إصابة قلب المفاعل بشكل مباشر.
سيناريو الضربة المباشرة: هل يصمد الغلاف الخرساني؟
في ظل الحرب الحالية، لم يعد استهداف المنشآت الاستراتيجية خطاً أحمر. ورغم أن قلب مفاعل ديمونة يقع تحت الأرض ومحمي بطبقات خرسانية وفولاذية سميكة، فإن الخطر يكمن في المرافق السطحية. إن استهداف أبراج التبريد، أو شبكات الكهرباء المغذية للمفاعل، أو مخازن الوقود النووي المستنفد، قد يؤدي إلى سيناريو مشابه لكارثة "فوكوشيما"، حيث يؤدي توقف التبريد إلى انصهار قلب المفاعل ذاتياً.
تداعيات الكارثة: سحابة إشعاعية لا تعترف بالحدود
إن الآثار المترتبة على إصابة المفاعل لن تكون شأناً إسرائيلياً داخلياً، بل ستتحول فوراً إلى كارثة إقليمية ودولية:
- الأثر البيئي والصحي: تعتمد حركة الغبار الذري على اتجاه الرياح. في حال هبوب الرياح غرباً، ستتضرر مناطق واسعة في الضفة الغربية وقطاع غزة والمدن الساحلية الإسرائيلية. أما الرياح الشرقية فقد تحمل السحابة المشعة نحو الأردن، بينما قد تصل التأثيرات جنوباً إلى شبه جزيرة سيناء وشمال السعودية.
- الأثر الجيوسياسي: إن أي هجوم ناجح على منشأة نووية سيغير قواعد الاشتباك في العالم بأسره، وقد يدفع إسرائيل لتفعيل ما يُعرف بـ "خيار شمشون"، وهو استخدام القوة المفرطة وغير التقليدية للرد على تهديد وجودي، مما قد يجر قوى دولية عظمى إلى صراع مفتوح في الشرق الأوسط.
ختاماً، يبقى مفاعل ديمونة بؤرة الخطر الأكبر في معادلة الصراع الحالي، حيث أن الخطأ فيه ممنوع، والنجاة من تداعياته قد تكون مستحيلة لدول المنطقة مجتمعة.


