مقدمة: ساحة المعركة تمتد إلى الفضاء الرقمي
في أوقات الحروب والأزمات الجيوسياسية، لم تعد الجبهات العسكرية وحدها هي ساحة المعركة الحقيقية، بل امتدت المواجهات لتشمل الفضاء الإعلامي والرقمي بشكل غير مسبوق. في هذا الفضاء المفتوح، تتزاحم الروايات وتتداخل الحقائق مع الدعاية الموجهة. وفي ظل التوترات المتصاعدة بين الولايات المتحدة وإيران في منطقة الشرق الأوسط، يبدو المشهد الإعلامي وكأنه نسخة حديثة ومعقدة من «الهرج والمرج»؛ حيث ينتشر ضجيج واسع، وتصريحات متناقضة، وكم هائل من التحليلات التي يصعب معها على المتلقي العادي تمييز الخبر الحقيقي من الانطباع الشخصي أو الشائعة.
الخلفية التاريخية: من «الصحاف» إلى اللامركزية الإعلامية
لفهم هذا التحول، يجب العودة إلى السياق التاريخي القريب. استعارة مصطلح «الصحّاف» تعود إلى وزير الإعلام العراقي الأسبق، محمد سعيد الصحاف، إبان الغزو الأمريكي للعراق عام 2003. كان الصحاف يمثل ذروة الخطاب الدعائي المركزي الذي تديره الدولة، حيث عُرف بخطابه المتفائل والمبالغ فيه، وإنكاره للواقع الميداني حتى والآليات العسكرية تطوق العاصمة. وثقت التقارير الإعلامية العالمية تلك الظاهرة وأطلقت عليه لقب «Baghdad Bob». كان المتحدث الرسمي حينها هو الصانع الأوحد للرواية، ولكن المشهد اليوم اختلف جذرياً؛ فقد كُسر احتكار المعلومة، وتحولت الدعاية من منصة حكومية واحدة إلى ظاهرة رقمية لامركزية يقودها آلاف الأفراد.
محللو الصدفة واقتصاد «الترند»
الفارق الجوهري اليوم هو أن «الصحّاف» لم يعد شخصاً واحداً، بل تحول إلى ظاهرة رقمية متكاملة. تعج منصات التواصل الاجتماعي بما يمكن وصفهم بـ«الصحّافين الجدد»، وهم مجموعة من صناع المحتوى والمحللين غير المختصين الذين يملؤون الفضاء الرقمي بتصريحات جازمة وتوقعات كبرى، وكأنهم يديرون غرف العمليات العسكرية. المشكلة الأعمق تكمن في «اقتصاد الترند»؛ فالخوارزميات تكافئ المحتوى المثير للجدل. كلما ارتفع مستوى القلق والدراما، زادت المشاهدات والتفاعل. هذا دفع بعض صناع المحتوى للتحول إلى «تجار أزمات»، يستثمرون في التوترات الدولية كمضاربات إعلامية، حيث يُستخدم التهويل والتخويف كأدوات لزيادة الانتشار والربح المادي، بغض النظر عن دقة المعلومات.
التأثيرات المتوقعة: محلياً، إقليمياً، ودولياً
هذا الضجيج المصطنع له تداعيات خطيرة على عدة مستويات. على المستوى المحلي، يؤدي ضخ المعلومات المضللة إلى إثارة الذعر بين المواطنين، مما قد ينعكس على استقرار الأسواق وسلوكيات الأفراد اليومية. إقليمياً، تساهم هذه الروايات المختلقة في تأجيج الاستقطاب السياسي والطائفي، وتعميق حالة انعدام الثقة بين شعوب المنطقة. أما على المستوى الدولي، فإن انتشار الأخبار الزائفة (مثل مقاطع الفيديو القديمة أو المصممة بالذكاء الاصطناعي التي تُنسب لأحداث حالية) يعقد من جهود الدبلوماسية الدولية، ويشكل ضغطاً على صناع القرار الذين يجدون أنفسهم مضطرين للتعامل مع ردود أفعال شعبية مبنية على معلومات مغلوطة. في النهاية، يبقى الوعي الإعلامي والاعتماد على المصادر الموثوقة هو الدرع الوحيد في مواجهة فوضى المنصات الرقمية.


