تشهد المملكة العربية السعودية تقلبات جوية ملحوظة تثير تساؤلات عديدة حول طبيعة الهطولات المطرية. وفي هذا السياق، كشف خبراء الطقس والمناخ عن تفاصيل هامة توضح الفرق بين الأمطار الغزيرة والكثيفة، وأيهما يشكل الخطر الأكبر على المدن والممتلكات. وتأتي هذه التوضيحات في وقت حرج من العام حيث تتزايد الحالات الجوية المتطرفة.
السياق المناخي والتاريخي لموسم المراويح والسرايات
تُعرف الأجواء التي تعيشها السعودية والمنطقة في هذه الفترة من العام مناخياً باسم «المراويح» أو «السرايات». تاريخياً، ارتبطت هذه المسميات في شبه الجزيرة العربية بفترة الانتقال الربيعي التي تسبق فصل الصيف، حيث تتشكل سحب رعدية تتطور أحياناً لتصبح سحباً ركامية عملاقة. وتشتهر هذه الفترة بخصائص جوية قوية ومفاجئة، تتمثل في تساقط حبات البرد، ونشاط الرياح الهابطة الشديدة. وأوضح خبير الطقس والمناخ، عبدالعزيز الحصيني، أن هذه السحب عادة ما تُخلف سيولاً جارية قد تقطع مسافات طويلة في مسارها. وأشار إلى أن هذه الحالة قد تتحول إلى ما يُعرف بـ «سحاب السرايات» الذي يمتاز بقدرته الفائقة على الاستمرار وقطع مئات الكيلومترات، مستشهداً بالسحابة القوية التي أثرت على منطقة الطوقي شمالي الرياض مؤخراً وما صاحبها من نشاط لافت.
ما هو الفرق بين الأمطار الغزيرة والكثيفة علمياً؟
لتوضيح اللبس الشائع، سلط أستاذ المناخ سابقاً بجامعة القصيم، الدكتور عبدالله المسند، الضوء على الفروق الجوهرية بين الأمطار الغزيرة والكثيفة. وبيّن أن الأمطار الغزيرة تتمثل في هطول كميات كبيرة من المياه، لكنها تتوزع على فترة زمنية طويلة نسبياً قد تصل إلى 6 ساعات أو أكثر. وتتسم هذه الأمطار بالانتظام والاستمرارية، وتنتج غالباً عن سحب طبقية واسعة تصاحب المنخفضات الجوية الحركية. وتكمن خطورتها الأساسية في التراكم البطيء الذي قد يؤدي في النهاية إلى فيضان الأودية الكبيرة أو تشبع التربة بالكامل.
في المقابل، تتساقط الأمطار الكثيفة بكميات ضخمة جداً في وقت قصير للغاية يتراوح من بضع دقائق إلى ساعة واحدة. وتتميز بكبر حجم قطرات المطر وسرعة الهطول، وتنتج عادة عن سحب المزن الركامي العملاقة. وتُعد هذه الأمطار المسؤول المباشر عن حدوث ما يُعرف بالسيول الجارفة أو الفجائية التي قد تداهم المواقع المنخفضة دون إنذار كافٍ.
التأثير المتوقع على البنية التحتية والمدن
عند تقييم درجات الخطورة، يؤكد الخبراء أن الأمطار الكثيفة تُعد الأخطر على الإطلاق بالنسبة للمدن والبنية التحتية. والسبب يعود إلى أن هذه الهطولات تباغت أنظمة التصريف بكميات مياه تفوق طاقتها الاستيعابية في وقت وجيز، مما يتسبب في غرق الشوارع والأنفاق بشكل مفاجئ وشلل الحركة المرورية. أما خطر الأمطار الغزيرة فغالباً ما يكون تدريجياً، مما يتيح لشبكات التصريف المهيأة فرصة أكبر لاستيعابها وتصريفها تباعاً دون التسبب في كوارث مفاجئة.
وعلى الصعيد الإقليمي والدولي، تكتسب دراسة هذه الظواهر أهمية بالغة في ظل التغيرات المناخية العالمية التي زادت من وتيرة تطرف الطقس. ففهم طبيعة الهطولات المطرية يساعد الحكومات وصناع القرار في تخطيط المدن بشكل أفضل، وتحديث البنى التحتية لتكون أكثر مرونة في مواجهة التحديات المناخية، فضلاً عن تعزيز أنظمة الإنذار المبكر لحماية الأرواح والممتلكات من أخطار السيول المفاجئة.


