تشهد منظومة الرعاية الطبية في المملكة العربية السعودية تحولاً جذرياً ونوعياً يهدف إلى الارتقاء بجودة الخدمات المقدمة للمواطنين والمقيمين على حد سواء. وفي قلب هذا التحول، يبرز الاهتمام المتزايد بإعداد وتطوير الكوادر الصحية في السعودية، حيث كشفت أحدث البيانات الصادرة عن المركز الوطني لتخطيط القوى العاملة الصحية عن أرقام مبشرة تعكس حجم الإنجاز. فقد وصل إجمالي الممارسين الصحيين السعوديين إلى أكثر من 460 ألف ممارس في مختلف التخصصات الطبية والفنية، وذلك من أصل 800 ألف ممارس مسجل في النظام الصحي. ويعكس هذا النمو المتسارع قفزة ملحوظة في حضور الكفاءات المحلية داخل القطاع الصحي بشكل عام، مما يؤسس لمرحلة جديدة من الاستدامة والاعتماد على الذات.
تاريخياً، اعتمدت المملكة لعقود طويلة على الكفاءات والخبرات الأجنبية لتشغيل مستشفياتها ومرافقها الصحية تلبيةً للنمو السكاني المتزايد. ولكن مع إطلاق رؤية المملكة 2030 وبرنامج تحول القطاع الصحي، تغيرت المعادلة تماماً؛ حيث أصبح الاستثمار في رأس المال البشري الوطني أولوية قصوى. تم توجيه الجهود نحو التوسع في افتتاح الكليات الطبية والصحية، وتطوير برامج الابتعاث المتخصصة، وتوفير بيئة تدريبية متطورة داخل المدن الطبية الكبرى، مما أسهم في سد الفجوة التاريخية وبناء قاعدة صلبة من المتخصصين السعوديين القادرين على إدارة وتشغيل أعقد المرافق الصحية بكفاءة عالية.
استراتيجيات تمكين الكوادر الصحية في السعودية ضمن قطاع التمريض
وفيما يخص مهنتي التمريض والقبالة، اللتين تمثلان العمود الفقري لأي نظام رعاية صحية ناجح، سجلت الكوادر السعودية صعوداً مستمراً وملحوظاً في أعدادها لتصل إلى 110 آلاف ممارس. وتأتي هذه الزيادة كمساهمة مباشرة وفعالة في رفع نسبة التوطين بهذا القطاع الحيوي من 30% في عام 2018 إلى هدف طموح يبلغ 38% بحلول عام 2026. ورغم الاعتماد القائم والمستمر على الخبرات الأجنبية التي يبلغ قوامها نحو 180 ألف ممارس لنقل المعرفة وتبادل الخبرات، إلا أن المؤشرات الحالية تؤكد بما لا يدع مجالاً للشك نجاح برامج التأهيل واستدامة رفد القطاع بالكوادر الوطنية المؤهلة، ليتجاوز إجمالي العاملين في هذا المجال الحيوي 290 ألف ممارس.
دور القبالة في تعزيز جودة الرعاية الطبية وسلامة المجتمع
تبرز مهنة القبالة كركيزة أساسية لا غنى عنها في هذه المنظومة المتطورة، نظراً إلى دورها الحيوي والمحوري في تقديم الرعاية الشاملة والمتكاملة للنساء خلال رحلتي الحمل والولادة، بالإضافة إلى المتابعة الدقيقة للمواليد حتى الأسبوع الثامن من أعمارهم. هذا الدور الميداني والسريري يسهم بشكل مباشر وفعال في خفض معدلات الوفيات وتعزيز سلامة الأمهات وحديثي الولادة، وهو ما يتماشى مع أهداف التنمية المستدامة العالمية. ومن هذا المنطلق الاستراتيجي، تولي وزارة الصحة السعودية اهتماماً فائقاً بتطوير برامج التدريب المستمر والالتزام الصارم بالمعايير المهنية العالمية لضمان تقديم أعلى مستويات الجودة في الرعاية.
التأثير الشامل لتطوير القطاع الطبي محلياً وإقليمياً ودولياً
إن هذا التطور المنهجي لا يقتصر تأثيره على النطاق المحلي المتمثل في تحسين تجربة المريض وتوفير فرص عمل مستدامة لأبناء الوطن فحسب، بل يمتد ليشمل أبعاداً إقليمية ودولية هامة. فعلى الصعيد الإقليمي، أصبحت المملكة نموذجاً يحتذى به في إدارة التحول الصحي وتوطين المهن الطبية الدقيقة. وقد توجت هذه الجهود الجبارة بتحقيق المملكة حضوراً لافتاً ومميزاً في الجوائز العربية بمجالي التمريض والقبالة. هذا التتويج يجسد التزام المملكة بتعزيز معايير التميز والارتقاء بالأداء المهني، تأكيداً على ريادة المنظومة الصحية السعودية وقدرتها التنافسية على تقديم رعاية طبية متطورة تضاهي، بل وتتفوق في بعض جوانبها، على المستويات العالمية المرموقة.


