في أجواء مفعمة بالروحانية والسكينة التي تظلل مدينة جدة، استعاد القنصل روسلان كوسبانوف، القنصل العام لجمهورية كازاخستان بجدة ونائب المندوب الدائم لدى منظمة التعاون الإسلامي، شريط ذكرياته الرمضانية، رابطاً بين ماضيه في بلاده وحاضره في المملكة العربية السعودية. يأتي هذا الحديث الودي ليعكس ليس فقط الجانب الإنساني للدبلوماسي المخضرم، بل ليسلط الضوء أيضاً على المتانة التي تتمتع بها العلاقات بين البلدين.
جذور العلاقات التاريخية والشراكة الاستراتيجية
لا يمكن قراءة تصريحات القنصل بمعزل عن السياق التاريخي للعلاقات السعودية الكازاخية؛ فالمملكة العربية السعودية كانت من أوائل الدول التي اعترفت باستقلال كازاخستان في مطلع التسعينيات، مما أسس لعلاقة متينة مبنية على الاحترام المتبادل والقيم الإسلامية المشتركة. وقد شهدت هذه العلاقات تطوراً ملحوظاً على مر العقود، لتشمل تعاوناً واسعاً في المجالات السياسية والاقتصادية والثقافية. ويؤدي الدبلوماسيون، وفي مقدمتهم القنصل روسلان كوسبانوف، دوراً حيوياً في ترجمة هذه التفاهمات إلى واقع ملموس، خاصة في ظل توافق الرؤى بين "رؤية المملكة 2030" والخطط التنموية الكازاخية، مما يعزز من فرص الاستثمار والتبادل التجاري بين البلدين الشقيقين.
ذكريات الطفولة في كازاخستان: دفء رغم الثلوج
وبالعودة إلى الجانب الإنساني والذكريات الدافئة، تحدث كوسبانوف بشجن عن طفولته في شمال كازاخستان، حيث تفرض الطبيعة قسوتها بجمال أخاذ. استذكر كيف كان يسير مع والديه وسط الثلوج في درجات حرارة تصل إلى 25 درجة تحت الصفر لتناول الإفطار في بيوت الأصدقاء والجيران. ويقول واصفاً تلك اللحظات: «كنا نمشي وكان الدخول إلى منزل دافئ مليء بالأطعمة الساخنة بعد البرد القارس سعادة حقيقية لطفل». وأشار إلى أن شهر رمضان يمثل له وقتاً خاصاً للتأمل الروحي وتعزيز الشعور بالامتنان، وهي مشاعر تتجدد اليوم خلال عمله في جدة، التي تذكره دائماً بالمسؤولية والرحمة تجاه الآخرين.
دور القنصل روسلان كوسبانوف في خدمة ضيوف الرحمن
يكتسب تواجد القنصلية العامة لكازاخستان في جدة أهمية استراتيجية كبرى؛ فهي ليست مجرد بعثة دبلوماسية، بل هي نقطة وصل حيوية وبوابة لخدمة الحجاج والمعتمرين الكازاخستانيين الذين يتوافدون إلى الأراضي المقدسة بأعداد متزايدة. ويؤكد هذا الدور الحيوي على مكانة المملكة كقلب للعالم الإسلامي وحاضنة للحرمين الشريفين. وفي هذا السياق، يحرص القنصل روسلان كوسبانوف خلال الشهر الفضيل على الموازنة الدقيقة بين واجباته المهنية في رعاية شؤون مواطنيه وتسهيل إجراءاتهم، وبين العبادة والحياة الأسرية. ويشير إلى أن عمل القنصل العام يتطلب البقاء على تواصل دائم وجاهزية عالية، لا سيما مع الحجاج الذين قد يواجهون ظروفاً طارئة، مما يبرز البعد الإنساني العميق للعمل الدبلوماسي في هذه البقعة المباركة.
طقوس المائدة الرمضانية والتواصل العائلي
وعن عاداته الشخصية في الشهر الفضيل، أوضح القنصل أنه يحرص على تعزيز التواصل مع أفراد أسرته، بمن فيهم ابنته التي تدرس في العاصمة أستانا ووالدته الثمانينية التي لا تزال تحرص على الصيام رغم كبر سنها. أما عن مائدة الإفطار، فيفضل القنصل البساطة والابتعاد عن الإسراف، حيث يبدأ بالتمر والماء اقتداءً بالسنة النبوية، ثم يتناول أطباقاً مغذية مثل الحساء واللحم أو السمك. كما يستمتع في السحور بأطعمة خفيفة مثل الألبان وعصائد الأرز، مع الحرص على شرب كميات كافية من ماء زمزم المبارك، الذي يحرص أيضاً على إرساله كهدية قيمة لأهله في كازاخستان.
حكمة الدبلوماسية: الوحدة والتكاتف
واختتم القنصل حديثه بالإشارة إلى حكمة كازاخية يعتز بها وتلخص فلسفته في الحياة والعمل: «من تحيط به الصداقة لا يُهزم، ومن يتحلى بالحكمة لا يُخاصم». وأكد أن هذه الحكمة تتناغم مع جوهر العمل الدبلوماسي الذي يعتمد على بناء الجسور وتجنب النزاعات، وهو ما تسعى إليه المملكة وكازاخستان دوماً في المحافل الدولية. كما عبر عن شكره العميق للمملكة العربية السعودية، قيادة وشعباً، سائلاً الله أن يديم عليها نعمة الأمن والازدهار، وأن يتقبل من الجميع صيامهم وقيامهم.


