تشهد العاصمة الأمريكية واشنطن حراكاً سياسياً عاصفاً داخل أروقة الكابيتول، يوازي في حدته العمليات العسكرية الجارية في الشرق الأوسط، حيث برز انقسام حاد بين المشرعين حول استراتيجية البيت الأبيض في التعامل مع التصعيد العسكري الأخير. وقد دخلت هذه العمليات يومها الخامس، مما أثار جدلاً واسعاً بين مؤيد لسياسة الردع ومعارض للتورط في نزاع مفتوح، لا سيما في ظل تكثيف الولايات المتحدة لضرباتها الجوية ضمن ما بات يُعرف بملف الحرب على إيران، وسط مخاوف متزايدة من انزلاق المنطقة نحو المجهول.
جذور الصراع التشريعي وقانون صلاحيات الحرب
لم يكن الجدل الحالي وليد اللحظة، بل هو استدعاء لنقاش تاريخي متجذر في الدستور الأمريكي حول فصل السلطات. تعود جذور هذا الخلاف إلى حقبة السبعينيات، وتحديداً عام 1973، حين أقر الكونجرس "قرار صلاحيات الحرب" (War Powers Resolution) رداً على انخراط الولايات المتحدة الطويل والمكلف في حرب فيتنام دون إعلان حرب رسمي. يهدف هذا القانون جوهرياً إلى تقييد قدرة الرئيس على إقحام القوات المسلحة في أعمال عدائية طويلة الأمد دون موافقة السلطة التشريعية.
وفي هذا السياق، ذكرت صحيفة "واشنطن بوست" أن مجلس الشيوخ يتحرك حالياً للتصويت على إجراء يُلزم الرئيس دونالد ترمب بوقف العمليات العسكرية، في مسعى ديمقراطي لاستعادة التوازن الدستوري. ويرى زعيم الأقلية الديمقراطية تشاك شومر أن غياب استراتيجية خروج واضحة يشكل خطراً داهماً، مصرحاً: "الإجابات غير مُرضية على الإطلاق عندما لا توجد خطة محددة. عندما لا تسمع يوماً بعد يوم سوى سنفعل هذا وهذا، فهذه هي الأسباب التي تؤدي في النهاية إلى حرب لا نهاية لها".
تداعيات الحرب على إيران وتأثيراتها على أمن الطاقة
تتجاوز أبعاد هذا الصراع قاعات الكونجرس لتلامس عصباً حساساً في الاقتصاد والأمن الدوليين. فمن الناحية الجيوسياسية، تقع إيران على ضفاف مضيق هرمز، الممر المائي الأهم عالمياً الذي يمر عبره خُمس استهلاك العالم من النفط. يحذر الخبراء الاستراتيجيون من أن أي تصعيد غير محسوب في إطار الحرب على إيران قد يؤدي إلى إغلاق هذا الشريان الحيوي، مما سيتسبب في قفزات هائلة في أسعار الطاقة ويهدد سلاسل الإمداد العالمية بركود اقتصادي محتمل.
علاوة على ذلك، يثير التنسيق المحتمل مع إسرائيل مخاوف من توسع رقعة الصراع ليشمل وكلاء إقليميين، مما يضع القواعد الأمريكية وحلفاء واشنطن في الخليج العربي في دائرة الاستهداف المباشر، ويعيد تشكيل التحالفات الأمنية في الشرق الأوسط بطريقة قد يصعب التنبؤ بمآلاتها.
عملية "الغضب الملحمي": حقائق وخسائر
ميدانياً، كشف الجيش الأمريكي عن تفاصيل عملية "الغضب الملحمي" (Epic Fury)، موضحاً أن كثافة النيران في الأيام الأولى بلغت ضعف ما تم تنفيذه خلال حملة "الصدمة والترويع" في غزو العراق عام 2003، مع توقعات باستمرار الحملة لشهر كامل. وقد أعلن البنتاغون عن مقتل أربعة جنود احتياط من ولايات نبراسكا، أيوا، فلوريدا، ومينيسوتا، تتراوح أعمارهم بين 20 و42 عاماً.
وعلى الجانب الآخر، تشير التقارير الاستخباراتية إلى أن الضربات أحدثت فراغاً قيادياً في طهران بعد مقتل شخصيات بارزة، وسط غموض يلف المشهد السياسي الإيراني وتكهنات حول صعود مجتبى خامنئي، وهو ما قد يفسره المتشددون كانتصار لنهج المواجهة.
الانقسام الحزبي ومبررات الردع الجمهوري
في المقابل، يقف الحزب الجمهوري صفاً واحداً خلف الرئيس ترمب، معتبرين أن التحرك العسكري ضرورة قصوى لاستعادة هيبة الردع الأمريكية التي تآكلت. وقد هاجم رئيس مجلس النواب، مايك جونسون، المحاولات التشريعية لتقييد يد الرئيس، واصفاً إياها بـ "الفكرة المروعة والخطيرة".
وبرر جونسون موقفه بالقول: "إن إيران هي التي أعلنت الحرب على الولايات المتحدة بمهاجمتها ثلاثاً من سفاراتنا. أي تقييد للصلاحيات الآن سيؤدي إلى تمكين أعدائنا، وإضعاف قواتنا، وسلب الجيش الأمريكي والقائد الأعلى القدرة على إتمام هذه المهمة الحيوية للحفاظ على سلامة الجميع".


