أفصحت الأمم المتحدة في تقرير حديث ومثير للقلق عن أرقام صادمة تتعلق بظاهرة تجنيد المقاتلين، حيث كشفت أن نحو 10 آلاف مرتزقة كولومبيين جرى تجنيدهم للمشاركة في نزاعات مسلحة مشتعلة حول العالم خلال السنوات العشر الماضية. هذا التقرير يسلط الضوء على تحول ملحوظ في ديناميكيات الحروب الحديثة، حيث باتت الاستعانة بالمقاتلين الأجانب سمة بارزة في العديد من بؤر التوتر العالمية.
السياق التاريخي والاقتصادي لظاهرة مرتزقة كولومبيين
تاريخياً، تمتلك كولومبيا واحدة من أكبر القوات المسلحة في أمريكا اللاتينية، وذلك نتيجة لعقود من الصراع الداخلي مع الحركات المتمردة. ومع توقيع اتفاقيات السلام في السنوات الأخيرة، وتحديداً اتفاق السلام التاريخي عام 2016، وجد الآلاف من العسكريين وعناصر الشرطة ذوي الخبرة القتالية العالية أنفسهم خارج الخدمة.
وذكر التقرير الأولي لفريق العمل التابع للأمم المتحدة المعني بظاهرة المرتزقة في العاصمة الكولومبية بوغوتا، أن الكثير من هؤلاء المقاتلين السابقين لم يتمكنوا من الاندماج بسلاسة في الحياة المدنية. وتُعد البطالة بين المقاتلين المسرحين، إلى جانب هشاشة الأوضاع الاقتصادية والرواتب المغرية المعروضة من الخارج، محركاً رئيسياً وراء تزايد أعداد مرتزقة كولومبيين في ساحات القتال الدولية.
شبكات التجنيد وخريطة الانتشار العالمي
أعلن الفريق الأممي عن وجود شبكات تجنيد نشطة ومحترفة تعمل عبر منصات التواصل الاجتماعي الشهيرة مثل «فيسبوك»، و«إنستغرام»، و«تيك توك»، و«تليغرام». تستغل هذه الشبكات حاجة المقاتلين السابقين وتقدم لهم وعوداً بعقود عمل مجزية مالياً.
وقد استُخدم هؤلاء المقاتلون في نزاعات مسلحة داخل عدة دول تشهد أزمات طاحنة، من أبرزها أوكرانيا، والسودان، واليمن، وجمهورية الكونغو الديمقراطية. هذا الانتشار الجغرافي الواسع يعكس حجم الطلب العالمي المتزايد على الكوادر العسكرية والأمنية الكولومبية، وهو ما أكدته رئيسة الفريق ومقررته ميشيل سمول، مشيرة إلى أن السنوات الإحدى عشرة الماضية سجلت ارتفاعاً ملحوظاً في هذا الطلب لتولي مهمات عسكرية وأمنية، سواء في أنشطة مشروعة أو محظورة مرتبطة بالارتزاق.
التأثيرات الإنسانية والتبعات على الأمن الدولي
لا تقتصر تداعيات هذه الظاهرة على الجانب العسكري فحسب، بل تمتد لتشمل تأثيرات إنسانية وأمنية عميقة على المستويات المحلية والدولية. على الصعيد الإنساني، تحدثت سمول عن أوضاع إنسانية بالغة الصعوبة يعيشها هؤلاء المقاتلون في مناطق النزاع. وأكدت أن عدداً كبيراً منهم يرغبون بشدة في العودة إلى كولومبيا، لكنهم يواجهون عقبات قاهرة، أبرزها مصادرة جوازات سفرهم من قبل الجهات المشغلة.
علاوة على ذلك، تعاني عائلاتهم في كولومبيا من أزمات نفسية واجتماعية نتيجة الصعوبة البالغة في الحصول على أي معلومات دقيقة عن أوضاع أقاربهم في الخارج أو حتى مصيرهم. أما على الصعيد الدولي، فإن تدفق المقاتلين الأجانب يسهم في إطالة أمد النزاعات وتعقيد جهود السلام. ورغم أن عضو الفريق جوانا دي ديوس بيريرا أوضحت أن عقود بعض هؤلاء المقاتلين تُعد قانونية، كما هو الحال في أوكرانيا حيث يعمل الكولومبيون تحت مظلة وزارة الدفاع الأوكرانية، إلا أن الخط الفاصل بين العمل العسكري الرسمي والارتزاق يبقى شائكاً في العديد من الساحات الأخرى.
تحركات حكومية لمواجهة الأزمة
في مواجهة هذا التحدي المتنامي الذي يمس بسمعة البلاد ويؤثر على مواطنيها، بدأت الحكومة الكولومبية باتخاذ خطوات جادة. وفي هذا السياق، رحب الفريق الأممي بإقرار الرئيس الكولومبي غوستافو بيترو قانوناً جديداً يصادق على الاتفاقية الدولية لعام 1989 لمناهضة تجنيد المرتزقة واستخدامهم وتمويلهم وتدريبهم.
تُعد هذه الخطوة التشريعية تطوراً هاماً يعكس الإرادة السياسية للحد من استغلال الكفاءات العسكرية الكولومبية في صراعات خارجية، وتؤسس لمرحلة جديدة من الرقابة الصارمة على الشركات الأمنية وشبكات التجنيد، مما قد يسهم مستقبلاً في تجفيف منابع هذه الظاهرة المقلقة وحماية حقوق العسكريين المتقاعدين.


