كشفت تقارير إعلامية دولية، وعلى رأسها صحيفة «فاينانشيال تايمز» البريطانية، عن كواليس مثيرة للاهتمام جرت خلف الأبواب المغلقة، حيث شهد لقاء الرئيس الصيني وترمب توتراً لافتاً وغير مسبوق. ونقلاً عن سبعة مصادر مطلعة على مجريات القمة، فقد رفع الرئيس الصيني شي جين بينغ صوته خلال نقاش حاد ومفاجئ حول اليابان ومساعيها الحثيثة لتعزيز قدراتها العسكرية، مما يعكس حساسية هذا الملف الإستراتيجي بالنسبة لبكين.
جذور التوتر التاريخي والجيوسياسي في شرق آسيا
لفهم أبعاد هذا الخلاف، يجب النظر إلى السياق العام والخلفية التاريخية التي تحكم العلاقات في منطقة شرق آسيا. فمنذ نهاية الحرب العالمية الثانية، التزمت اليابان بدستور سلمي يقيد استخدام القوة العسكرية ويحصرها في إطار الدفاع عن النفس. ومع ذلك، فإن التاريخ المعقد بين بكين وطوكيو يجعل الصين تنظر بعين الريبة إلى أي محاولة يابانية لتطوير ترسانتها العسكرية. وتعتبر القيادة الصينية أن أي تغيير في العقيدة العسكرية اليابانية لا يمثل فقط خروجاً عن الترتيبات التي أعقبت الحرب، بل يشكل تهديداً مباشراً لأمنها القومي ولموازين القوى في منطقة المحيطين الهندي والهادئ.
تفاصيل النقاش الحاد بين الرئيس الصيني وترمب
أفادت المصادر المطلعة بأن شي جين بينغ بدا «منفعلاً ومضطرباً» أثناء حديثه عن خطط طوكيو الرامية إلى زيادة إنفاقها الدفاعي وتخفيف القيود الدستورية المفروضة على قواتها العسكرية. واعتبر الرئيس الصيني أن هذه التحركات تمثل تهديداً مباشراً للاستقرار والسلام الإقليمي في آسيا. وقد وصفت المصادر هذا الجزء من المحادثات بأنه «الأكثر سخونة» خلال القمة التي جمعت الرئيس الصيني وترمب، خصوصاً أن ملف اليابان لم يكن مدرجاً ضمن جدول النقاشات المقررة مسبقاً، مما تسبب في مفاجأة كبيرة للوفد الأمريكي المرافق.
تحرك أمريكي سريع لاحتواء الموقف
في مواجهة هذا الغضب، سارع الرئيس الأمريكي دونالد ترمب إلى الدفاع عن موقف الحكومة اليابانية، مؤكداً أن طوكيو تجد نفسها بحاجة ماسة إلى تعزيز قدراتها الدفاعية في ظل تصاعد التهديدات القادمة من كوريا الشمالية وتجاربها الصاروخية المستمرة. وفي محاولة لاحتواء غضب شي جين بينغ وتهدئة حدة النقاش، قدم ترمب مبررات أمنية بحتة. ولم يكتفِ ترمب بذلك، بل أجرى اتصالاً هاتفياً مباشراً من على متن الطائرة الرئاسية «إير فورس وان» بالقيادة اليابانية فور انتهاء القمة، ليؤكد دعم واشنطن الكامل لليابان وتمسكها الراسخ بتعزيز التحالف الإستراتيجي بين البلدين.
التداعيات الإقليمية والدولية لسباق التسلح
تأتي هذه التطورات في وقت تتجه فيه اليابان، بقيادة حكومتها المحافظة، إلى رفع إنفاقها الدفاعي ليقارب 2% من الناتج المحلي الإجمالي، بالتزامن مع مساعٍ جادة لإعادة صياغة سياساتها الأمنية المقيدة منذ عقود. إن أهمية هذا الحدث وتأثيره المتوقع يتجاوز النطاق المحلي ليمتد إلى الساحتين الإقليمية والدولية. فإقليمياً، ينذر هذا التحول بسباق تسلح جديد قد يزيد من حدة الاستقطاب في آسيا، حيث تصطف الولايات المتحدة واليابان في مواجهة النفوذ الصيني المتنامي. ودولياً، تعكس هذه الحادثة حجم التعقيدات التي لا تزال تحيط بالعلاقات بين واشنطن وبكين، وتؤكد أن التنافس الإستراتيجي بين القوتين العظميين سيظل المحرك الأساسي للسياسة الدولية.
يُذكر أن ترمب كان قد أجرى زيارة رسمية إلى الصين خلال الفترة من 13 إلى 15 مايو الجاري، التقى خلالها الرئيس الصيني شي جين بينغ، وعقد معه عدة اجتماعات تناولت ملفات سياسية واقتصادية وأمنية بالغة التعقيد، إلا أن ملف التسليح الياباني طغى بوضوح على المشهد، تاركاً تساؤلات مفتوحة حول مستقبل الاستقرار في المنطقة.


