تشهد العلاقات الصينية اليابانية في الآونة الأخيرة واحدة من أكثر مراحلها توتراً وحرجاً منذ عقود، حيث يتصاعد الاستقطاب السياسي والعسكري بين القوتين العظميين في شرق آسيا. ويأتي هذا التدهور مدفوعاً بسلسلة من الإجراءات المتبادلة والتحركات العسكرية المكثفة، لا سيما مع تزايد حدة الخلافات العميقة المتعلقة بملف تايوان، والنزاعات البحرية المستمرة، والتوجه الياباني المتزايد نحو تعزيز قدراتها الدفاعية لمواجهة النفوذ الصيني المتنامي في المنطقة.
جذور الخلاف التاريخي وأثرها على العلاقات الصينية اليابانية
لا يمكن فهم التوتر الحالي بمعزل عن السياق التاريخي المعقد الذي يلقي بظلاله على العلاقات بين بكين وطوكيو. فإرث الحرب العالمية الثانية لا يزال يمثل جرحاً غائراً في الذاكرة القومية الصينية، حيث ترى بكين أن طوكيو لم تقدم اعتذاراً كافياً أو صادقاً عن الجرائم والانتهاكات التي ارتكبها الجيش الإمبراطوري الياباني خلال فترة احتلاله لأجزاء واسعة من الأراضي الصينية. ورغم الاعتذارات المتكررة وتعبيرات الندم التي صدرت عن رؤساء وزراء يابانيين وأباطرة متعاقبين على مدى العقود الماضية، إلا أن الصين تقارن الموقف الياباني دائماً بالموقف الألماني الصارم في مواجهة إرثه النازي، معتبرة أن اليابان لم تتبنَّ نفس الدرجة من تحمل المسؤولية التاريخية. ويزيد من عمق هذه الفجوة الزيارات المتكررة التي يقوم بها مسؤولون يابانيون لضريح “ياسوكوكي”، الذي يضم رفات جنود يابانيين من بينهم قادة أدينوا بارتكاب جرائم حرب، وهو ما تراه بكين استفزازاً مباشراً وتنكراً للماضي.
تايوان والتحركات العسكرية: وقود يشعل الأزمة الإقليمية
جاءت الشرارة الأحدث للتصعيد في نوفمبر 2025، عقب تصريحات مثيرة للجدل أدلت بها رئيسة الوزراء اليابانية، ساناي تاكايتشي، بعد أسابيع قليلة من توليها منصبها. حيث أكدت تاكايتشي أن أي هجوم عسكري على تايوان قد يدفع اليابان لنشر قوات الدفاع الذاتي إذا شكل هذا النزاع تهديداً وجودياً لأمن البلاد. ورغم أن هذه التصريحات تتماشى مع العقيدة الأمنية اليابانية الحديثة، إلا أن إعلانها بشكل مباشر شكل تحولاً لافتاً أثار غضب بكين التي تعتبر تايوان جزءاً لا يتجزأ من أراضيها.
ورداً على ذلك، فرضت الصين قيوداً تجارية صارمة على صادرات المنتجات ذات الاستخدام المزدوج (المدني والعسكري) لـ 40 شركة يابانية، متهمة طوكيو بتبني “نزعة عسكرية متهورة”. وتزامن هذا القرار مع احتجاجات يابانية على مناورات جوية صينية روسية مشتركة بالقرب من أجوائها، ودخول خفر السواحل الصيني للمنطقة الاقتصادية الخالصة لليابان، مما دفع طوكيو لنشر منصات إطلاق صواريخ في جزرها الشرقية النائية.
سباق التسلح في شرق آسيا والمخاوف الأمنية المشتركة
في إطار هذا التوتر المتصاعد، رفعت اليابان ميزانيتها الدفاعية بنسبة 9.4% لتصل إلى حوالي 58 مليار دولار، كجزء من استراتيجية طموحة تهدف لرفع الإنفاق العسكري إلى 2% من الناتج المحلي الإجمالي. وتبرر طوكيو هذا التحول بضرورة الاستجابة للتهديدات الإقليمية المتزايدة من الصين وكوريا الشمالية، إلى جانب الشكوك المحيطة بمدى استمرارية الضمانات الأمنية الأمريكية في ظل التحولات السياسية في واشنطن بقيادة الرئيس دونالد ترامب. في المقابل، ترى بكين في هذا التوجه مؤشراً خطيراً على عودة اليابان للنهج العسكري القديم، على الرغم من أن الميزانية الدفاعية الرسمية للصين تتجاوز 275 مليار دولار (أي أكثر من أربعة أضعاف الميزانية اليابانية)، وسط تقديرات دولية تشير إلى أن الإنفاق الفعلي للصين قد يكون أعلى بكثير بسبب إدراج نفقات عسكرية تحت بنود مدنية وبحثية.
الاقتصاد كصمام أمان وسط العواصف السياسية
على الرغم من العقوبات المتبادلة، وإلغاء الاجتماعات الدبلوماسية، وتراجع أعداد السياح الصينيين إلى اليابان، إلا أن الشراكة الاقتصادية تظل الركيزة الأساسية التي تمنع الانهيار الكامل للعلاقات. فقد تجاوز حجم التبادل التجاري بين البلدين 322 مليار دولار خلال عام 2025، مع استمرار النمو في الأشهر الأولى من العام الحالي. هذا الاعتماد الاقتصادي المتبادل يفرض قيوداً على رغبة الطرفين في الذهاب بعيداً في التصعيد العسكري. وتسعى طوكيو حالياً لاحتواء الأزمة دبلوماسياً، حيث تترقب الأوساط السياسية لقاءً مرتقباً بين رئيسة الوزراء اليابانية ساناي تاكايتشي والرئيس الصيني شي جين بينغ على هامش قمة منتدى التعاون الاقتصادي لآسيا والمحيط الهادئ (أبيك) في مدينة شنتشن الصينية، على أمل إيجاد صيغة توازن تحمي المصالح الاقتصادية المشتركة وتخفف من حدة الاحتقان العسكري.


