انطلاق فعاليات مهرجان مسرح الطفل بجدة
اختتمت جمعية أدب الطفل وثقافته فصلاً جديداً من فصول الإبداع الثقافي عبر سلسلة ورش تدريبية تخصصية احتضنها مقر الجمعية بمدارس فرسان المعرفة في محافظة جدة. جاءت هذه الفعاليات ضمن مهرجان مسرح الطفل الشعري الذي تنفذه الجمعية تحت مظلة برنامج الدعم مقابل الأداء التابع لوزارة الثقافة، وبمشاركة حيوية من مبادرة المختبر السعودي للنقد. شكلت هذه الفعالية تظاهرة ثقافية فريدة جمعت نخبة من المهتمين بآفاق المسرح وفنون النقد الأدبي، بهدف الارتقاء بالذائقة الفنية للأجيال الناشئة.
جذور الاهتمام الثقافي: مسيرة تطور الفنون الموجهة للصغار
لم يكن الاهتمام بأدب الصغار وليد اللحظة في المملكة العربية السعودية، بل يمتد لعقود من المحاولات الفردية والمؤسسية التي سعت لغرس القيم الجمالية والأخلاقية عبر الكلمة والخشبة. تاريخياً، بدأ المسرح المدرسي كأول منصة لاكتشاف المواهب، وتطور تدريجياً ليصبح جزءاً لا يتجزأ من الحراك الثقافي الشامل. وفي السنوات الأخيرة، ومع انطلاق رؤية السعودية 2030، شهد القطاع الثقافي تحولاً جذرياً ومأسسة حقيقية، حيث أولت وزارة الثقافة وهيئاتها التابعة اهتماماً بالغاً بقطاع المسرح والفنون الأدائية، مما وفر بيئة خصبة لإقامة مهرجانات متخصصة تسهم في بناء شخصية الطفل وتوسيع مداركه الفكرية والإبداعية.
عبده خال يثري ورش العمل النقدية
تنوعت المسارات المعرفية في هذه التظاهرة، إذ خاض المشاركون غمار الورشة التطبيقية في نقد أدب الطفل مع الروائي البارز عبده خال. استعرض خال بأسلوبه المتفرد أدوات القراءة النقدية للنصوص الموجهة للصغار، ملقياً الضوء على آليات تحليل اللغة، وعمق السرد، وجماليات الصورة. وهدفت هذه الورشة إلى صقل وعي نقدي يتجاوز القشرة الخارجية للنصوص ليلامس جوهرها الإبداعي وأثرها النفسي العميق على المتلقي الصغير، مما يساعد الكتاب وصناع المحتوى على تقديم أعمال ترقى لمستوى تطلعات الجيل الجديد.
الإخراج والتمثيل: مساحات تفاعلية لبناء القدرات
وفي زاوية أخرى من زوايا الإبداع المسرحي، قدم الدكتور فيصل الشناوي ورشة الإخراج المسرحي للكبار، والتي ركزت على صياغة الرؤية الفنية، وإدارة المشهد، والعلاقة العضوية بين النص والخشبة. بينما انطلقت ورشة الممثل الصغير بقيادة إبراهيم المهدي لتمنح الأطفال فضاءً تفاعلياً يعزز مهاراتهم في التعبير والحضور، وتنمية الخيال عبر تدريبات عملية تحاكي طاقاتهم وتفتح أمامهم آفاق الثقة بالذات، مما يؤسس لجيل قادر على مواجهة الجمهور والتعبير عن أفكاره بطلاقة.
الأثر الثقافي والمجتمعي لفعاليات مهرجان مسرح الطفل
تتجاوز أهمية مهرجان مسرح الطفل مجرد كونه فعالية ترفيهية، ليمثل ركيزة أساسية في التنمية الثقافية المستدامة. على الصعيد المحلي، يسهم المهرجان في اكتشاف المواهب الشابة وتوجيهها، وخلق بيئة حاضنة للإبداع تدعم رؤية المملكة في بناء مجتمع حيوي. أما على الصعيدين الإقليمي والدولي، فإن مثل هذه المبادرات تعزز من مكانة السعودية كمركز إشعاع ثقافي يهتم بأدق تفاصيل الصناعة الثقافية بدءاً من الطفل. وقد شهدت هذه البرامج تفاعلاً استثنائياً من الحضور الذين انخرطوا في حوارات ثقافية وتطبيقات عملية داخل بيئة احتفت بالفكرة وأعلت من شأن التجريب، لتؤكد الجمعية استمرارها في صياغة حراك معرفي رصين يرتقي بقطاع أدب الطفل وفنونه في المشهد الثقافي السعودي.


