شهد جيب سبتة تدفقاً غير مسبوق لنحو 60 ألف مهاجر غير نظامي خلال الأيام القليلة الماضية، مما فجّر أزمة سبتة التي تعد واحدة من أكبر أزمات الهجرة في تاريخ إسبانيا الحديث، وأسفرت عن وفاة 34 شخصاً خلال محاولات العبور.
وزار رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز، برفقة وزير الداخلية فرناندو غراندي مارلاسكا، مدينة سبتة لمتابعة الأوضاع ميدانياً. ووصف سانشيز الوضع بأنه “غير متوقع” وخارج عن النمط الذي شهد تراجعاً في الهجرة غير النظامية بنسبة تقارب 40% العام الماضي.
وأكد سانشيز أن حكومته ستدافع عن أمن سبتة كما تدافع عن العاصمة مدريد، مشدداً على أن إعادة المهاجرين إلى المغرب ستتم “في أقرب وقت ممكن” بالتنسيق مع السلطات المغربية التي أبدت استعدادها للتعاون. وأشار إلى إمكانية إجراء تعديلات قانونية لضمان فاعلية عمليات الإعادة، مؤكداً أن الحد من الهجرة يتطلب تعاوناً وثيقاً مع دول المنشأ والعبور.
تعزيزات أمنية ومواجهات على الحدود
عززت إسبانيا والمغرب الإجراءات الأمنية على الحدود الفاصلة؛ حيث دفعت مدريد بتعزيزات من الجيش والشرطة، بينما نشرت السلطات المغربية شاحنات مزودة بخراطيم المياه وشددت الرقابة عند المعابر لمنع الاقتحامات.
ورغم هذه الإجراءات، استمر تدفق المهاجرين عبر معبر “تاراخال”، وحاول آخرون الالتفاف حول السياج الحدودي أو السباحة للوصول إلى المدينة. وشهدت المنطقة اشتباكات أدت إلى احتراق حافلة وسبع سيارات بالقرب من المعبر.
وكان رئيس حكومة سبتة، خوان خيسوس فيفاس، قد أوضح أن عدد الواصلين تجاوز نصف سكان المدينة البالغ عددهم 85 ألف نسمة، مشيراً إلى ارتفاع حصيلة الوفيات المرتبطة بمحاولات العبور إلى 34 شخصاً.
وفي سياق متصل، حذفت إدارة الأمن القومي الإسبانية بيانات من موقعها تشير إلى عبور 49 ألف مهاجر خلال 24 ساعة، وأكدت وزارة الداخلية أن هذه الأرقام ليست إحصاءات رسمية، متعهدة بإصدار بيانات دقيقة لاحقاً.
قرار قضائي يثير الغموض
أشار مسؤولون إسبان إلى أن أحد أسباب تصاعد الأزمة يعود إلى حكم أصدرته المحكمة العليا الإسبانية في وقت سابق من الشهر الجاري، يقضي بعدم جواز الإعادة الفورية للمهاجرين الذين يعترض طريقهم بحراً أثناء محاولتهم الوصول إلى سبتة أو مليلية، مما خلق حالة من الغموض بشأن آليات التعامل.
وأوضح وزير السياسة الإقليمية الإسباني، أنخيل فيكتور توريس، أن الحكومة تحركت فوراً، مؤكداً أن إعادة المهاجرين ستتم مع احترام الأحكام القضائية وحقوق الإنسان. ووصف متحدث باسم الحرس المدني الإسباني التدفقات الأخيرة بأنها “انفجار” في أعداد العابرين بعد أن كانت محدودة عقب صدور الحكم.
ردود فعل أوروبية وانقسام سياسي داخلي
أثارت الأزمة ردود فعل واسعة داخل الاتحاد الأوروبي؛ حيث وصفت رئيسة المفوضية الأوروبية، أورسولا فون دير لاين، المشاهد القادمة من سبتة بأنها “غير مقبولة”، داعية لوقف عمليات العبور الخطرة فوراً. ويعمل مفوض الاتحاد الأوروبي للشؤون الداخلية والهجرة، ماغنوس برونر، مع السلطات الإسبانية، بينما تجري مفوضة شؤون المتوسط والديموغرافيا، دوبرافكا شويتسا، اتصالات مع السلطات المغربية لاحتواء الأزمة.
من جهته، طالب المستشار الألماني فريدريش ميرتس إسبانيا باستعادة السيطرة على الوضع بأسرع وقت، مؤكداً أن حماية الحدود الخارجية للاتحاد الأوروبي ركيزة أساسية لمكافحة الهجرة غير النظامية، ودعا المغرب لاستعادة المهاجرين دون تأخير.
داخلياً، تحولت الأزمة إلى محور للصراع السياسي في إسبانيا قبل الانتخابات المقبلة؛ إذ اتهمت أحزاب المعارضة اليمينية حكومة سانشيز بالتسبب في تفاقم الأزمة بسبب سياساتها وبرامج تسوية أوضاع المهاجرين. ووصف زعيم الحزب الشعبي، ألبرتو نونييث فيخو، الوضع في سبتة بـ”الكارثة” وأنه يمثل أزمة أمن قومي، بينما دعا رئيس حكومة سبتة إلى إعلان حالة الطوارئ. من جانبه، وصف زعيم حزب “فوكس” اليميني المتطرف، سانتياغو أباسكال، موجة العبور بأنها “غزو”، محملاً حكومة سانشيز المسؤولية كاملة.


