في تحول سياسي لافت ومفاجئ، حقق حزب الإصلاح البريطاني بقيادة السياسي المثير للجدل نايجل فاراج، مكاسب واسعة النطاق في النتائج الأولية للانتخابات المحلية البريطانية. وفي المقابل، تلقى حزب العمال الحاكم بقيادة رئيس الوزراء كير ستارمر هزيمة مدوية، مما يعكس تغيراً واضحاً في مزاج الناخب البريطاني وبحثه عن بدائل سياسية خارج الإطار التقليدي المعتاد.
زلزال انتخابي: خسائر فادحة لحزب العمال
مع اكتمال فرز الأصوات في أكثر من ربع المجالس المحلية، سجل الحزب اليميني مكاسب غير مسبوقة بلغت 270 مقعداً جديداً. في الوقت ذاته، خسر حزب العمال 202 مقعد، ليفقد بذلك ما يقارب نصف المقاعد التي كان يدافع عنها في هذه الدورة الانتخابية. وتؤكد هذه الأرقام تنامي نفوذ اليمين الشعبي المتطرف في المملكة المتحدة، حيث يمتلك الحزب حالياً 8 أعضاء في مجلس العموم، وعضوين في مجلس لندن، وعضوين بالبرلمان الويلزي، وعضواً واحداً في البرلمان الاسكتلندي، ومفوضاً واحداً للشرطة والجريمة، فضلاً عن سيطرته على 12 مجلساً محلياً، ليصبح قوة سياسية تعتبر أكثر يمينية وتشدداً من حزب المحافظين العريق.
الجذور التاريخية والتحولات لـ حزب الإصلاح البريطاني
لفهم هذا الصعود المفاجئ، يجب النظر في السياق التاريخي لتأسيس الحزب. تأسس الحزب رسمياً في نوفمبر 2011 تحت اسم “حزب بريكست” على يد نايجل فاراج وكاثرين بلايكلو، وتم تسجيله رسمياً في فبراير 2019 لخوض الانتخابات الأوروبية والمحلية. ورغم أن الحزب حصد أكبر عدد من المقاعد في انتخابات البرلمان الأوروبي عام 2019، إلا أنه فشل في الفوز بأي مقعد في الانتخابات العامة في العام ذاته.
مع خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، أعيدت تسمية الحزب إلى “إصلاح المملكة المتحدة” في يناير 2021. ومنذ عام 2022، وسع الحزب برنامجه السياسي ليتجاوز قضية “بريكست”، مستهدفاً بناء قاعدة انتخابية دائمة. وركزت حملاته على خفض الضرائب، والحد الصارم من الهجرة، وتقليص الإنفاق الحكومي، بالإضافة إلى معارضة سياسات المناخ المكلفة اقتصادياً مثل خطط الوصول إلى “صافي انبعاثات صفرية”، والتي يعتبرها الحزب عبئاً ثقيلاً على كاهل الطبقات الوسطى والريفية.
تداعيات الصعود اليميني على المشهدين المحلي والدولي
يحمل هذا الحدث أهمية كبرى وتأثيرات متوقعة تتجاوز الحدود المحلية. على الصعيد الداخلي، يمثل هذا الفوز جرس إنذار لحكومة حزب العمال والأحزاب التقليدية، حيث يعكس تصاعد السخط الشعبي من مستويات الهجرة المرتفعة، واستمرار أزمة تكاليف المعيشة، وتراجع الثقة في النخب السياسية في لندن. كما يبرز شعوراً متنامياً لدى الناخبين المحافظين بأن حكومات ما بعد “بريكست” فشلت في الوفاء بوعودها المتعلقة بالسيطرة على الحدود والنهوض بالاقتصاد.
أما على الصعيدين الإقليمي والدولي، فإن صعود هذا الحزب يتماشى مع موجة أوسع من تنامي تيار اليمين الشعبي في جميع أنحاء أوروبا، كما يظهر في دول مثل فرنسا وألمانيا وإيطاليا. علاوة على ذلك، يحافظ نايجل فاراج على علاقات وثيقة مع دوائر اليمين في الولايات المتحدة، وارتبط اسمه سياسياً بالرئيس الأمريكي دونالد ترمب، مما يشير إلى تعزيز شبكة التحالفات اليمينية الشعبوية عبر ضفتي الأطلسي وتأثيرها المحتمل على السياسات الغربية المستقبلية.
نايجل فاراج: مهندس “بريكست” وعراب اليمين الشعبي
يُعد نايجل فاراج أحد أبرز وجوه اليمين الشعبي في بريطانيا خلال العقدين الأخيرين. بدأ مسيرته داخل حزب استقلال المملكة المتحدة (يوكيب)، قبل أن يتحول إلى الشخصية الأبرز في معسكر “بريكست”. ورغم تنحيه عن زعامة الحزب في مارس 2021 لصالح ريتشارد تايس، عاد فاراج بقوة لتولي الزعامة مجدداً في يونيو 2024. وقد اشتهر بخطابه الحاد ضد البيروقراطية الأوروبية وقدرته الفائقة على مخاطبة الناخبين الغاضبين، ورغم عدم شغله لمناصب حكومية كبرى في الماضي، إلا أن تأثيره السياسي كان ولا يزال محورياً في إعادة تشكيل الخريطة السياسية البريطانية.


