تتجه أنظار السوريين والمجتمع الدولي نحو العاصمة دمشق، حيث تُعقد جلسات محاكمة عاطف نجيب، الرئيس السابق لفرع الأمن السياسي في محافظة درعا وأحد أبرز رموز نظام بشار الأسد المخلوع. تأتي هذه المحاكمة ضمن ملف الانتهاكات الجسيمة التي شهدتها البلاد، لتمثل خطوة مفصلية في مسار المحاسبة وتحقيق العدالة لضحايا القمع والتعذيب.
كواليس محاكمة عاطف نجيب والتهم الموجهة إليه
في ثاني جلسات محاكمته أمام محكمة الجنايات الرابعة في دمشق، واجه المتهم أكثر من 10 تهم ثقيلة. تشمل هذه التهم جرائم القتل العمد، والتعذيب الممنهج، والمسؤولية المباشرة عن مجزرتي فرع الأمن السياسي والجامع العمري. وقد شهدت الجلسة حضوراً لافتاً، حيث رفع 75 مدعياً دعاوى رسمية ضده، مستعدين للإدلاء بشهاداتهم المروعة. وعُقدت المحكمة في البداية كجلسة مفتوحة استمرت قرابة الساعة، قبل أن يقرر القاضي تحويلها إلى جلسة مغلقة للاستماع إلى بعض الشهود السريين لضمان سلامتهم.
وبحسب وكالة الأنباء السورية (سانا)، تركزت الجلسة بشكل أساسي على استجواب المتهم وتلاوة مطالعة النيابة العامة والتهم المنسوبة إليه، بحضور ذوي الضحايا، وأعضاء من الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية، وممثلين عن منظمات حقوقية وإنسانية دولية.
الشرارة الأولى: أطفال درعا وبداية الثورة السورية
لا يمكن الحديث عن الانتهاكات في سوريا دون العودة إلى الجذور التاريخية للأحداث. يُعرف المتهم بتوليه ملاحقة المعارضين والناشطين في محافظة درعا، وكان له دور مباشر وسيء الصيت في حادثة اعتقال أطفال درعا الشهيرة. هؤلاء الأطفال تعرضوا لتعذيب وحشي لمجرد كتابتهم شعارات مناهضة لنظام الأسد على جدران مدرستهم، وهي الحادثة التي أشعلت شرارة الاحتجاجات الشعبية في مارس 2011، والتي تحولت لاحقاً إلى ثورة شاملة عمت أرجاء البلاد. شكلت تلك الممارسات القمعية نقطة تحول في تاريخ سوريا الحديث، حيث كسرت حاجز الخوف لدى السوريين ودفعتهم للمطالبة بالحرية والكرامة.
أبعاد المحاكمة وتأثيرها على مسار العدالة الانتقالية
تكتسب هذه الإجراءات القضائية أهمية بالغة على الصعيدين المحلي والدولي. محلياً، تمثل هذه الخطوة رسالة طمأنة لآلاف العائلات السورية التي فقدت أبناءها أو عانت من ويلات الاعتقال والتعذيب، بأن زمن الإفلات من العقاب قد ولى. إقليمياً ودولياً، تُعد هذه المحاكمات دليلاً ملموساً على جدية المرحلة الجديدة في سوريا نحو بناء دولة القانون والمؤسسات. وقد أكدت الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية أن معالجة ملفات الجرائم والانتهاكات الجسيمة تتم وفق الأصول القانونية، مما يمثل جزءاً من مسار مستمر قائم على المحاسبة وكشف الحقيقة.
السقوط والاعتقال: نهاية حقبة الإفلات من العقاب
كانت محكمة الجنايات في دمشق قد عقدت في 26 أبريل الماضي الجلسة العلنية الأولى، والتي عُدت أول محاكمة تعلنها الحكومة السورية ضمن مسار محاسبة مسؤولي نظام الرئيس المخلوع بشار الأسد. وجاءت هذه المحاكمات تتويجاً لعملية أمنية دقيقة، حيث اعتقلت قوات إدارة الأمن العام التابعة لوزارة الداخلية السورية المتهم في يناير 2025 خلال حملة أمنية استهدفت ملاحقة فلول النظام السابق في محافظة اللاذقية. وشكّل توقيفه أحد أبرز الاعتقالات التي طالت مسؤولين أمنيين سابقين، نظراً لكونه شغل موقعاً أمنياً حساساً في درعا عند بداية الثورة، ولارتباط اسمه بأبشع الانتهاكات التي وثقتها المنظمات الحقوقية.


