عاد شبح الاغتيالات في عدن ليخيم على العاصمة اليمنية المؤقتة، مثيراً حالة من الرعب والقلق بين أوساط المواطنين والمسؤولين على حد سواء. وتأتي هذه التطورات الخطيرة بعد أن أقدم مسلحون مجهولون على اختطاف واغتيال المهندس وسام قائد، المدير التنفيذي للصندوق الاجتماعي للتنمية. وقد تمت عملية الاختطاف من أمام منزله في حي إنماء، لتُكتشف جثته لاحقاً في منطقة الحسوة في ظروف غامضة، مما يفتح الباب واسعاً أمام تساؤلات حول الوضع الأمني الهش في المدينة.
جذور الأزمة: السياق التاريخي لعودة الانفلات الأمني
لم تكن هذه الحادثة وليدة اللحظة، بل هي امتداد لسلسلة طويلة من التحديات الأمنية. منذ تحرير العاصمة المؤقتة في عام 2015 من قبضة ميليشيا الحوثي، واجهت المدينة تعقيدات بالغة نتيجة تداعيات الحرب وتعدد التشكيلات العسكرية. تشير التقارير الحقوقية والمحلية إلى تسجيل أكثر من 480 عملية اغتيال طالت قيادات عسكرية، أمنية، سياسية، ودينية، بالإضافة إلى شخصيات مجتمعية بارزة. هذا الفراغ الأمني استغلته الجماعات المتطرفة والخلايا النائمة لتصفية الحسابات وإبقاء المدينة في حالة من عدم الاستقرار الدائم، مما يعرقل جهود تطبيع الحياة المدنية.
تضحيات الكفاءات الوطنية في مواجهة التهديدات
يُعد المهندس وسام قائد واحداً من أبرز الكفاءات الإدارية اليمنية التي سعت للحفاظ على استقلالية العمل الإنساني والتنموي. لعب دوراً محورياً وشجاعاً في نقل المقر الرئيسي للصندوق الاجتماعي للتنمية من العاصمة المختطفة صنعاء إلى عدن. جاءت هذه الخطوة بعد معركة إدارية طويلة مع ميليشيا الحوثي، تعرض خلالها لسلسلة من الملاحقات والتهديدات بالتصفية، بل ونجا من محاولة اعتقال محققة قبل أن يتمكن من المغادرة مع أسرته. اغتياله يمثل ضربة موجعة للجهود التنموية في البلاد ورسالة ترهيب للكوادر الوطنية.
مخاوف متزايدة من موجة عنف سياسي جديدة
لم يقتصر الاستهداف على الكوادر التنموية، بل امتد ليشمل شخصيات سياسية وأمنية، مما ينذر بعودة موجة العنف السياسي. فقبل نحو عشرة أيام من حادثة المهندس وسام، تم اغتيال القيادي في حزب التجمع اليمني للإصلاح، عبدالرحمن الشاعر، برصاص مسلحين مجهولين. وضمن ذات الموجة الدموية، طالت يد الغدر الرائد عبدالكريم عبدالله، نائب مدير المنطقة الأمنية السابعة، الذي قُتل برصاص مسلحين في مديرية الشيخ عثمان، مما يؤكد أن الاستهداف ممنهج ويطال مختلف الأطياف الفاعلة في المشهد اليمني.
التداعيات المحلية والدولية لاستمرار الاغتيالات في عدن
إن استمرار الاغتيالات في عدن يحمل تداعيات كارثية تتجاوز الحدود المحلية. على الصعيد المحلي، يؤدي هذا الانفلات إلى تقويض ثقة المواطن بمؤسسات الدولة، ويدفع الكفاءات الوطنية للهجرة خوفاً على حياتهم. أما إقليمياً ودولياً، فإن هذه الحوادث تعرقل جهود السلام التي تقودها الأمم المتحدة، وتعيق وصول المساعدات الإنسانية. وقد تجلى هذا القلق الدولي في الإدانات الواسعة؛ حيث استنكرت السفارة الأمريكية والبعثة الأممية في اليمن هذه الأعمال الإجرامية، واعتبرتها اعتداءً سافراً على مؤسسات الدولة وجهود الإغاثة التي يعتمد عليها ملايين اليمنيين.
التحركات الأمنية ومساعي فرض هيبة الدولة
أمام هذا التصعيد الخطير، سارعت السلطات الأمنية والحكومية لاتخاذ تدابير عاجلة. وجه وزير الداخلية اليمني، اللواء إبراهيم حيدان، الأجهزة الأمنية بسرعة القبض على مرتكبي هذه الجرائم، مشدداً على ضرورة رفع مستوى الجاهزية الأمنية وتكثيف الجهود الميدانية لتعقب الجناة وتقديمهم للعدالة. وفي خطوة إيجابية، أعلنت السلطات مؤخراً عن ضبط خلية إرهابية خططت لتنفيذ سلسلة اغتيالات في المدينة عقب مقتل القيادي الشاعر، مؤكدة استمرار التحقيقات العميقة لكشف كافة الارتباطات الإجرامية والجهات الممولة لهذه الخلايا التي تسعى لزعزعة استقرار العاصمة المؤقتة.


