شهدت مدينة غزة اليوم السبت مراسم تشييع جثمان القائد العام لكتائب عز الدين القسام، الجناح العسكري لحركة حماس، وذلك بعد تأكيد تصفية عز الدين الحداد إثر غارة جوية إسرائيلية دقيقة استهدفته مساء أمس الجمعة. ولم يقتصر الاستهداف المروع على القيادي البارز فحسب، بل أسفرت الغارة ذاتها عن مقتل زوجته وابنته. وقد انطلقت مسيرة التشييع المهيبة من «مسجد شهداء الأقصى» في قلب مدينة غزة، حيث أُقيمت صلاة الجنازة وسط حضور شعبي وفصائلي قبل أن يُنقل الجثمان إلى مثواه الأخير، في مشهد يعكس حجم التصعيد العسكري المستمر والدمار الذي يشهده القطاع.
السياق الميداني والتاريخي لعملية تصفية عز الدين الحداد
تأتي تصفية عز الدين الحداد في مرحلة مفصلية وحساسة من تاريخ الصراع الإسرائيلي الفلسطيني، وتحديداً في ظل استمرار الحرب الدامية التي اندلعت شرارتها الأولى في السابع من أكتوبر. ويُعد الحداد واحداً من أبرز الوجوه العسكرية التي قادت العمليات الميدانية لكتائب القسام، وقد تولى مهام القيادة العسكرية للحركة في قطاع غزة في فترة حرجة. ووفقاً للتقديرات الإسرائيلية، كان الحداد يُصنف كأحد أبرز مهندسي هجوم السابع من أكتوبر، وآخر القيادات العسكرية الكبيرة المتبقية من تلك الحقبة، باستثناء أسماء قليلة مثل محمد عودة الذي يُعتقد أنه لا يزال على قيد الحياة.
وقد صعدت إسرائيل من وتيرة هجماتها وعملياتها العسكرية على قطاع غزة خلال الأسابيع الخمسة الماضية، وذلك في أعقاب تحويل تركيز نيرانها نحو القطاع الفلسطيني المدمر بعد فترة من التوترات الإقليمية المتبادلة مع إيران. وتؤكد مصادر محلية وتقارير إعلامية أن مساجد شمال قطاع غزة نعت الحداد فور انتشار نبأ استهدافه، بينما أوضحت مصادر من داخل حركة حماس لوكالة «رويترز» أن عملية التعرف على جثمانه تمت بصعوبة بالغة من قبل عائلته والمقربين منه، نظراً لشدة الغارة التي حولت الجثمان إلى أشلاء.
التداعيات المتوقعة لاغتيال قائد الجناح العسكري لحماس
يحمل هذا الحدث أبعاداً استراتيجية عميقة تتجاوز مجرد الخسارة الميدانية لحركة حماس. فعلى الصعيد المحلي، يمثل غياب قائد بحجم الحداد ضربة للبنية الهيكلية لكتائب القسام، مما قد يدفع الحركة إلى محاولة إعادة ترتيب صفوفها وتعيين قيادات بديلة في ظل ظروف أمنية وعسكرية بالغة التعقيد. وفي هذا السياق، ألمح القيادي في حماس، باسم نعيم، في منشور له إلى الحادثة، مشدداً على أن الحركة مستمرة في تقديم التضحيات والمزيد من القتلى في سبيل قضيتها، رغم عدم صدور بيان رسمي مفصل من الحركة حتى اللحظة يوضح الترتيبات القادمة.
أما على الصعيدين الإقليمي والدولي، فإن هذا الاغتيال يأتي في وقت تشهد فيه المفاوضات السياسية حالة من الجمود التام. فقد كشفت تقارير عبرية، وتحديداً عبر موقع «واللا» الإسرائيلي، أن ضغوطاً أمريكية استمرت لنحو أسبوعين كانت قد أدت إلى تأجيل تنفيذ هذه العملية، مما يعكس حجم التنسيق والتباين في الرؤى بين تل أبيب وواشنطن. ويشير المراقبون إلى أن المعادلة العسكرية والسياسية مع حركة حماس ستشهد تغييرات بعد هذا الاغتيال، خاصة مع تعثر الجهود الدبلوماسية لدفع خطط ما بعد الحرب في غزة، بما في ذلك المبادرات المرتبطة بالإدارة الأمريكية. إن استمرار سياسة الاغتيالات الممنهجة يعقد من فرص التوصل إلى اتفاق قريب لوقف إطلاق النار، ويُنذر بإطالة أمد الصراع في المنطقة.


