أكد الدكتور إبراهيم عبدالعزيز المهنا، في رؤية تحليلية عميقة، أن توظيف الذكاء الاصطناعي في الإعلام يمثل امتداداً طبيعياً للتطور التكنولوجي، مشدداً على أن التقنيات الحديثة تأتي لتضيف إلى المشهد الإعلامي ولا تنهيه. جاء ذلك خلال كلمته البارزة في المؤتمر الدولي العاشر للجمعية السعودية للإعلام والاتصال، والذي عُقد في العاصمة الرياض في 7 أبريل 2026.
أهمية المؤتمر وتأثير الذكاء الاصطناعي في الإعلام محلياً ودولياً
تُعد الجمعية السعودية للإعلام والاتصال، التي تتخذ من جامعة الملك سعود مقراً رئيسياً لها، واحدة من أبرز الكيانات العلمية والمهنية التي تسهم في إثراء البحث الإعلامي في العالم العربي. ويأتي انعقاد مؤتمرها العاشر في الرياض ليؤكد على الأهمية الاستراتيجية التي توليها المملكة العربية السعودية للتحول الرقمي وتطوير قطاع الاتصال، بما ينسجم مع مستهدفات رؤية السعودية 2030. إن مناقشة دور الذكاء الاصطناعي في الإعلام في هذا التوقيت يعكس إدراكاً عميقاً للتأثيرات المتوقعة لهذه التقنيات، ليس فقط على المستوى المحلي، بل على الصعيدين الإقليمي والدولي، حيث تعيد هذه الأدوات المتقدمة تشكيل غرف الأخبار العالمية، وتغير من طرق استهلاك الجمهور للمعلومات وصناعة المحتوى.
التسلسل التاريخي: من المطبعة إلى العصر الرقمي
أوضح الدكتور المهنا في كلمته أن العلاقة بين الإعلام والتكنولوجيا هي علاقة تكاملية عبر التاريخ. فقد أسهم اختراع المطبعة بالحروف المتحركة على يد يوهانس غوتنبرغ عام 1440 في إحداث ثورة معرفية كبرى أدت إلى انتشار الكتب والصحافة المقروءة. وبيّن أن العصر الحالي يشهد تحولاً جذرياً مشابهاً مع تقنيات الذكاء الاصطناعي. واستدل المهنا بأن ظهور الراديو قبل أكثر من مائة عام لم يُنهِ الصحافة الورقية، كما أن اختراع التلفزيون لم يُلغِ دور الراديو، وبالمثل، فإن ثورة الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي لم تقضِ على الصحافة المطبوعة أو الكتب الورقية.
تكامل الوسائل الإعلامية الحديثة
وأشار المهنا إلى نماذج ناجحة لصحف عالمية كبرى مثل “نيويورك تايمز” و”فايننشال تايمز”، التي لم تكتفِ بالبقاء، بل توسعت لتصبح مؤسسات إعلامية متكاملة. هذه المؤسسات تجمع اليوم بين النشر الورقي، والمنصات الرقمية، والبرامج التلفزيونية، والبودكاست، والمؤتمرات. ولتأكيد بقاء الوسائل التقليدية، لفت إلى أن كتابه الصادر باللغة الإنجليزية حقق مبيعات لافتة في الولايات المتحدة الأمريكية، حيث شكلت الطبعتان الورقيتان نحو 70% من إجمالي مبيعاته.
استقلالية المحتوى وسرعة الانتشار
تطرق الدكتور المهنا إلى الدور المحوري الذي تلعبه وسائل التواصل الاجتماعي في تسريع وتيرة انتشار المعلومات والأفكار. وأكد أنها أوجدت قنوات مستقلة تتيح لبعض الأفراد المتميزين، مثل الإعلامي الأمريكي تاكر كارلسون، الوصول إلى ملايين المتابعين بعيداً عن قيود المؤسسات الإعلامية الرسمية. واعتبر هذا التحول جانباً إيجابياً يعزز من حرية التعبير واستقلالية الطرح الإعلامي.
تحديات ومخاطر الذكاء الاصطناعي في الإعلام
رغم الإيجابيات المتعددة، حذر المهنا من عدة مخاطر مستقبلية ترتبط باستخدام الذكاء الاصطناعي في الإعلام. من أبرز هذه التحديات الخلط بين الحقيقة والتزييف، مستشهداً بمقطع الفيديو المولد بالذكاء الاصطناعي الذي أظهر تدمير برج خليفة في دبي، مما يبرز خطورة التضليل الإعلامي. كما أبدى قلقه من الاكتفاء بالمعلومات السريعة والمبتسرة على حساب التعمق، مما يؤدي إلى تسطيح التناول الإعلامي للقضايا المعقدة.
تراجع الصحافة الاستقصائية وغياب التشريعات
نبه المهنا إلى الانخفاض الملحوظ في عدد وعمق التحقيقات الصحفية الاستقصائية، والتي تتطلب جهداً ووقتاً طويلاً لا يمكن للآلة تعويضه. وانتقد غياب المنظومة التشريعية والتنظيمية الصارمة، وضعف المعايير القانونية والأخلاقية التي تضبط استخدام هذه التقنيات المتقدمة. وأكد في ختام حديثه أن الذكاء الاصطناعي، مهما تطور، يفتقد إلى روح وأسلوب الكاتب البشري الذي يضفي على النص الإبداع والتميز. ودعا إلى عدم الاندفاع غير المدروس نحو التقنيات الجديدة، مفضلاً التعامل المتدرج معها، ومذكّراً بأن التاريخ يثبت دائماً أن كل وسيلة إعلامية جديدة تأتي لتضيف إلى ما سبقها ولا تلغيه.


