في خطوة تعكس التحولات الجذرية في المشهد السوري الميداني والقانوني، أعلنت وزارة الداخلية السورية عن اعتقال سجان صيدنايا السابق، الرقيب في الشرطة العسكرية محمد عماد محرز. هذا التطور البارز يمثل نقطة تحول هامة في مسار محاسبة المتورطين في الانتهاكات الجسيمة التي شهدتها البلاد خلال العقد الماضي، حيث عمل محرز حارساً وسجّاناً في معتقل صيدنايا سيئ السمعة، والذي يُعرف إعلامياً وحقوقياً بـ «سلخانة الأسد»، ليكون بذلك أحد أبرز الوجوه التي ارتبطت بأقسى فترات القمع في عهد النظام السوري السابق بقيادة بشار الأسد.
تاريخ أسود خلف جدران المعتقل العسكري
يقع سجن صيدنايا العسكري في منطقة جبلية محصنة شمال العاصمة السورية دمشق، وقد اكتسب سمعته المروعة كأحد أسوأ السجون العسكرية في سوريا والعالم. بعد اندلاع الثورة السورية في عام 2011، تحول هذا السجن من منشأة عسكرية تقليدية إلى مركز احتجاز رئيسي يُزج فيه بآلاف الأشخاص لمجرد معارضتهم السلمية أو السياسية للنظام. وقد وثقت العديد من منظمات حقوق الإنسان الدولية، بما فيها منظمة العفو الدولية، الفظائع التي ارتكبت داخله. ففي تقريرها الصادم الصادر عام 2017، كشفت المنظمة عن تنفيذ إعدامات جماعية وسرية طالت نحو 13 ألف شخص شنقاً في الفترة الممتدة بين عامي 2011 و2015، ناهيك عن أساليب التعذيب الممنهجة وسوء المعاملة التي أودت بحياة عدد لا يحصى من المعتقلين.
تفاصيل اعتقال سجان صيدنايا والجهود الأمنية
أكدت وزارة الداخلية في بيان رسمي صدر مساء الجمعة أن قوى الأمن الداخلي تمكنت، بعد عمليات رصد ومتابعة دقيقة، من إلقاء القبض على الرقيب السابق محمد عماد محرز. وأوضحت التحقيقات الأولية أن محرز باشر عمله كحارس وسجان في هذا المعتقل المروع منذ عام 2015، وهي الفترة التي شهدت ذروة الانتهاكات وعمليات التصفية الجسدية للمخفيين قسراً. إن اعتقال سجان صيدنايا لا يُعد مجرد إجراء أمني روتيني، بل هو رسالة واضحة تؤكد على بدء مرحلة جديدة تهدف إلى تفكيك الشبكات الأمنية التابعة للنظام البائد وتقديم المتورطين في جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية إلى العدالة.
الأبعاد المحلية والدولية لمحاسبة المتورطين
يحمل هذا الحدث أهمية كبرى وتأثيراً واسع النطاق على مستويات عدة. على الصعيد المحلي، يبعث هذا الاعتقال بصيص أمل في نفوس آلاف العائلات السورية التي فقدت أبناءها في غياهب السجون، ويؤكد لهم أن الجرائم لا تسقط بالتقادم وأن مسار العدالة الانتقالية قد بدأ فعلياً. أما على الصعيدين الإقليمي والدولي، فإن هذه الخطوة تتوافق مع المطالب المستمرة للمجتمع الدولي والمنظمات الحقوقية بضرورة محاسبة كل من تورط في انتهاكات حقوق الإنسان في سوريا، مما يعزز من فرص بناء دولة قانون تحترم حقوق مواطنيها وتلتزم بالمعاهدات الدولية.
سقوط النظام وفتح أبواب الأمل للمخفيين قسراً
تأتي هذه التطورات المتلاحقة في أعقاب الانهيار التاريخي للنظام السوري. ففي الثامن من ديسمبر 2024، وعقب فرار الرئيس السابق بشار الأسد إلى روسيا وسقوط مؤسسات نظامه، تمكنت فصائل المعارضة المسلحة من اقتحام وفتح أبواب سجن صيدنايا. هذا الحدث المفصلي أدى إلى تحرير الآلاف من المعتقلين والمخفيين قسراً الذين انقطعت أخبارهم عن العالم الخارجي لسنوات طويلة، في مشهد إنساني مؤثر طوى صفحة من أظلم صفحات التاريخ السوري الحديث، ومهد الطريق لملاحقة الجلادين وتقديمهم للمحاكمات العادلة.


