في مشهد إيماني مهيب، توحدت قلوب الحجيج على صعيد عرفات الطاهر، رافعين أكف الضراعة إلى الله تعالى، طالبين المغفرة والرحمة. وقد شهد هذا اليوم العظيم، الذي يمثل ذروة مناسك الحج، إلقاء فضيلة الشيخ الدكتور علي الحذيفي، إمام وخطيب المسجد النبوي، لـ خطبة عرفة الجامعة، التي أكد فيها على جوهر الحج كعبادة خالصة لله، وشدد على ضرورة نبذ الجدال والشعارات السياسية والحزبية، ليبقى الحج رمزاً للوحدة والتآلف بين المسلمين من شتى بقاع الأرض.
توافدت جموع غفيرة من ضيوف الرحمن إلى مسجد نمرة بمشعر عرفات منذ وقت مبكر، لأداء صلاتي الظهر والعصر جمعاً وقصراً اقتداءً بالسنة النبوية، والاستماع إلى خطبة عرفة. وقد امتلأت جنبات المسجد الذي تبلغ مساحته 110 آلاف متر مربع، والساحات المحيطة به التي تبلغ 8 آلاف متر مربع، بضيوف الرحمن الذين جاءوا من كل فج عميق.
وقد تقدم المصلين نائب أمير منطقة مكة المكرمة ونائب رئيس لجنة الحج المركزية، صاحب السمو الملكي الأمير سعود بن مشعل بن عبدالعزيز، ومفتي عام المملكة ورئيس هيئة كبار العلماء الرئيس العام للبحوث العلمية والإفتاء، سماحة الشيخ الدكتور صالح بن فوزان الفوزان، ووزير الشؤون الإسلامية والدعوة والإرشاد، الشيخ الدكتور عبداللطيف بن عبدالعزيز آل الشيخ.
يوم عرفة: ذروة الركن الخامس ومحطة التجديد الروحي
يوم عرفة هو الركن الأعظم للحج، وهو اليوم الذي يقف فيه الحجاج على جبل الرحمة وفي صعيد عرفات، متضرعين إلى الله تعالى، طالبين المغفرة والرحمة. هذا اليوم المبارك، الذي يأتي في التاسع من ذي الحجة، يحمل أهمية تاريخية ودينية عظيمة، ففيه ألقى النبي محمد صلى الله عليه وسلم خطبة الوداع، التي أرست مبادئ الإسلام السمحة وقيمه الإنسانية السامية. إنه يوم تجلي العبودية الخالصة لله، حيث يتجرد الحجاج من كل مظاهر الدنيا، ليلتقوا في بقعة واحدة، بلباس واحد، وهدف واحد، مؤكدين بذلك على المساواة والوحدة بين المسلمين.
رسالة الحذيفي: الحج عبادة لا جدال ولا شعارات
أكد فضيلة الشيخ الدكتور علي الحذيفي في خطبة عرفة أن الحج فريضة تتجلى فيها مظاهر التعارف والتآلف والتعاون والتكافل بين أهل الإسلام في أدائهم المناسك على اختلاف ألسنتهم وألوانهم وبلدانهم، إخوة متحابين، يشهدون منافع لهم، ويطعمون من هديهم، ويكون من شأنهم الإحسان في الأفعال، والصدق في الأقوال. وشدد على أن الله أمر خليله إبراهيم بالنداء للحج، ليشهدوا منافع لهم ويذكروا اسم الله، إذ يقدم الحجاج من كل فج عميق لأداء النسك إرضاءً لله تعالى، وطلباً لثوابه، يعظمون البيت العتيق والمشاعر المقدسة.
وأضاف الحذيفي أن البيت يطهر من كل ما لا يتناسب مع مكانته، فلا فسوق ولا جدال في الحج، ولا شعارات سياسية ولا نداءات حزبية، بل خضوع لله، واتباع لنبيه، وطهارة في الظاهر والباطن، ووفاء بالعهود والمواثيق واحتراماً للحقوق. وتابع الشيخ الحذيفي أنه في موقف عرفات يباهي الله بالحجاج ملائكته في الموقف العظيم، مؤكداً على ضرورة الحرص على السكينة والرفق، والبعد عن التدافع، وتنفيذ تعليمات الجهات المنظمة، والتقيد بتنظيمات التفويج ومسارات الحركة تحقيقاً للمصلحة، وتجنباً للضرر والفوضى، وحفظاً للنفوس، وتيسيراً لأداء النسك.
جهود المملكة العربية السعودية في تيسير مناسك الحج
تتولى المملكة العربية السعودية، بصفتها خادمة الحرمين الشريفين، مسؤولية عظيمة في تنظيم وتيسير مناسك الحج لملايين المسلمين سنوياً. هذه الجهود تتجاوز الجانب اللوجستي لتشمل توفير الأمن والسلامة، والرعاية الصحية، وخدمات الإعاشة، والبنية التحتية المتطورة التي تضمن راحة الحجاج وسلامتهم. إن إدارة هذا الحشد البشري الهائل يتطلب تخطيطاً دقيقاً وتنسيقاً مستمراً بين مختلف القطاعات الحكومية والأمنية والخدمية، وهو ما تبرع فيه المملكة عاماً بعد عام، مستفيدة من الخبرات المتراكمة والتقنيات الحديثة.
وقد واكبت قوافل ضيوف الرحمن إلى مشعر عرفات الطاهر متابعة أمنية مباشرة من مختلف القطاعات الأمنية التي أحاطت طرق المركبات ودروب المشاة لتنظيمهم حسب خطط تصعيد وتفويج الحجيج، إلى جانب إرشادهم وتأمين السلامة اللازمة لهم لتأمين الانسيابية والمرونة بالحركة. وبجاهزية تامة لمختلف القطاعات الحكومية العاملة في خدمة الحجاج، وفرت في مختلف أنحاء المشعر الخدمات الطبية والإسعافية والتموينية، وما يحتاج إليه ضيوف الرحمن الذين قطعوا المسافات وتحملوا المشقة من أنحاء المعمورة ليؤدوا الركن الخامس من أركان الإسلام، حامدين العلي القدير على ما هداهم إليه.
كما باشر رجال قوات الأمن عمليات تنظيم حركة السير ومساعدة ضيوف الرحمن، فيما جابت طيران الأمن سماء المشعر لمتابعة انتقال الحجيج.
الحج: رسالة عالمية للوحدة والسلام
لا يقتصر تأثير الحج على الجانب الروحي للفرد فحسب، بل يمتد ليشكل رسالة عالمية للوحدة والتضامن بين المسلمين. فاجتماع هذه الملايين من مختلف الجنسيات والأعراق والخلفيات في مكان وزمان واحد، يرسخ مبادئ الأخوة الإسلامية ويجسد قوة الأمة وتنوعها. إن دعوة خطبة عرفة لنبذ الخلافات والشعارات السياسية هي دعوة للحفاظ على قدسية هذا التجمع العظيم، وتحويله إلى منبر للتفاهم والتعاون، بعيداً عن أي استقطابات قد تفرق الصف. هذا التجمع السنوي يعزز الروابط بين الشعوب الإسلامية ويذكرهم بقيمهم المشتركة، مما يسهم في تعزيز السلام والاستقرار على المستويين الإقليمي والدولي.


