شهدت منطقة عسير فاجعة مرورية مؤلمة أعادت تسليط الضوء على مخاطر الطرق الجبلية الوعرة، حيث تحولت عقبة الجعدة في بلّحمر، شمال مدينة أبها، إلى مصيدة للمركبات بعد سقوط مركبة من علو شاهق. الحادث المأساوي أسفر عن وفاة 6 أشخاص وإصابة 4 آخرين يرقدون حالياً في مستشفيات المنطقة لتلقي الرعاية الطبية اللازمة. هذه الحادثة لم تكن مجرد رقم عابر، بل صرخة متجددة من الأهالي للمطالبة بإنهاء المعاناة المستمرة على هذا الطريق الحيوي وتأمين سلامة عابريه.
تاريخ عقبة الجعدة وأهميتها الاستراتيجية في منطقة عسير
تعتبر الطرق الجبلية أو ما يُعرف محلياً بـ “العقبات” في منطقة عسير بمثابة شريان الحياة التاريخي والجغرافي الذي يربط بين مرتفعات السراة الشاهقة وسهول تهامة الساحلية. ومن بين هذه العقبات، تبرز عقبة الجعدة كأحد أهم المحاور الحيوية التي تخدم آلاف المواطنين والمقيمين يومياً.
تاريخياً، كانت هذه الممرات الجبلية وعرة للغاية وتتطلب جهوداً شاقة للتنقل، ومع التطور التنموي الهائل الذي شهدته المملكة العربية السعودية، تم تعبيد وتطوير العديد من هذه العقبات لتسهيل حركة التجارة والتواصل الاجتماعي. وتكمن أهمية هذا الطريق في كونه يربط سراة بلّحمر بتهامة، مما يجعله مساراً يومياً لا غنى عنه للموظفين، والطلاب، وقوافل السياح الذين يقصدون المنطقة خلال موسم الصيف للاستمتاع بأجوائها الطبيعية الخلابة وتضاريسها الفريدة.
منعطفات الموت وتحديات المناخ القاسي
أوضح عبده بن ناصر الأحمري، نائب قبيلتي آل العلاء وآل مكثر فرشاط تهامة بلحمر، أن الجهات المعنية بذلت جهوداً واضحة في السابق لتطوير العقبة من خلال أعمال السفلتة والإنارة وتحسين المسارات. ورغم هذه الجهود المباركة، إلا أن الطريق لا يزال يحتفظ بنقاط ضعف قاتلة تتمثل في المنحنيات الحادة والمنحدرات الوعرة التي تتحول إلى مصائد حقيقية للسائقين، خاصة أثناء هطول الأمطار الغزيرة وتشكل الضباب الكثيف الذي يحجب الرؤية تماماً.
وأشار الأحمري إلى أن الذاكرة المحلية لسكان المنطقة مثقلة بالعديد من الحوادث المؤلمة على مدار السنوات الماضية. وطالب بضرورة تدخل هندسي عاجل من الجهات المختصة يشمل إعادة تصميم المنحنيات الخطرة، وتركيب حواجز خرسانية متينة (صبات)، وسياجات حديدية قوية تمنع سقوط المركبات، بالإضافة إلى تكثيف اللوحات الإرشادية والعواكس الأرضية المضيئة لتسهيل القيادة في الأوقات الضبابية، مؤكداً أن هذه المطالب تنبع من ثقة الأهالي بحرص ولاة الأمر على حفظ الأرواح.
تأثير تطوير العقبات على السلامة والتنمية المستدامة
من جانبه، أكد المحامي نايف بن فهد على الأهمية الاستراتيجية لطريق العقبة، مشيراً إلى أن غياب بعض وسائل السلامة يضع مئات العابرين في مواجهة يومية مع الخطر. وتزداد هذه المخاطر تعقيداً خلال فصل الشتاء بفعل الانهيارات الصخرية والأتربة المتساقطة من الجبال المحيطة، مما يتطلب تسريع وتيرة المشاريع الوقائية بما يتلاءم مع حجم الحركة المرورية الكثيفة.
إن معالجة النقاط السوداء في العقبات الجبلية لا تقتصر أهميتها على الجانب المحلي لحماية أرواح السكان فحسب، بل تمتد لتشمل الأبعاد الإقليمية والسياحية. فمنطقة عسير تعد واجهة سياحية رئيسية ضمن رؤية السعودية 2030، وتطوير البنية التحتية للطرق الجبلية وتعزيز معايير السلامة المرورية فيها يعد ركيزة أساسية لدعم قطاع السياحة والاستثمار، وضمان تنقل آمن ومستدام يتماشى مع مستهدفات جودة الحياة في المملكة.


