يتجه عمدة مانشستر الكبرى، آندي بورنهام، نحو اتخاذ خطوة سياسية مفصلية قد تمهد له الطريق للوصول إلى رئاسة الوزراء البريطانية (داونينغ ستريت)، وذلك في وقت تتصاعد فيه الضغوط الداخلية بشكل غير مسبوق على رئيس الوزراء الحالي وزعيم حزب العمال، كير ستارمر. وتأتي هذه التحركات في ظل حالة من التململ داخل صفوف الحزب، مما يفتح الباب أمام تغييرات جذرية في المشهد السياسي البريطاني.
جذور الطموح: التاريخ السياسي لـ آندي بورنهام
لفهم السياق العام لهذه التحركات، يجب العودة إلى الخلفية التاريخية لمسيرة آندي بورنهام داخل حزب العمال. لم يكن طموح بورنهام في قيادة الحزب وليد اللحظة؛ فقد خاض سباق القيادة مرتين سابقاً في عامي 2010 و2015، لكنه لم يوفق. وعقب ذلك، اتجه لبناء قاعدة قوة إقليمية صلبة بعيداً عن أروقة وستمنستر، حيث انتُخب عمدة لمانشستر الكبرى في عام 2017. نجاحه في هذا المنصب منحه لقب “ملك الشمال”، وجعله صوتاً قوياً يدافع عن مصالح الأقاليم خارج لندن، مما أكسبه شعبية واسعة تتجاوز الخطوط الحزبية التقليدية وجعله الخيار الأبرز لقيادة أي تمرد محتمل داخل الحزب.
معركة ميكرفيلد: البوابة الرسمية للعودة
وبحسب صحيفة الغارديان، أكد داعمو بورنهام أنه يسعى لأن يصبح رئيساً للوزراء في الوقت المناسب، وتحديداً قبل انعقاد المؤتمر السنوي لحزب العمال خلال الخريف المقبل في مدينة ليفربول. وقد اجتاز بالفعل أول عقبة رسمية بحصوله على موافقة الهيئة الحاكمة للحزب للترشح في الانتخابات الفرعية بدائرة ميكرفيلد. فُتح هذا الطريق أمامه للعودة إلى البرلمان بعد استقالة حليفه جوش سيمونز، وعقب تراجع منافسين آخرين عن محاولة الإطاحة بستارمر هذا الأسبوع، رغم تصاعد الغضب داخل الحزب بعد مطالبة أكثر من 80 نائباً عمالياً بتنحي رئيس الوزراء. وفي حال تثبيت اختياره مرشحاً رسمياً، سيواجه معركة انتخابية حاسمة يُرجح أن تُجرى في 18 يونيو المقبل.
التأثيرات المتوقعة: زلزال سياسي محلي ودولي
تحمل عودة بورنهام المحتملة إلى البرلمان أهمية بالغة وتأثيراً متوقعاً يمتد من المستوى المحلي إلى الدولي. محلياً، يمثل صعوده انتصاراً لسياسة اللامركزية وإعطاء وزن أكبر لشمال إنجلترا في صنع القرار. أما على المستوى الدولي، فإن أي تغيير في قيادة دولة بحجم بريطانيا (عضو مجموعة السبع وحلف الناتو) يثير اهتمام الحلفاء والأسواق العالمية، خاصة في ظل تقارير تفيد بأن ستارمر يحاول تعزيز موقفه السياسي عبر الموافقة على زيادة ضخمة في الإنفاق الدفاعي بقيمة 18 مليار جنيه إسترليني، وهي سياسة قد تخضع للمراجعة في حال حدوث تغيير في القيادة.
انقسامات حزب العمال ومخاوف القيادة الحالية
رغم تخفيف ستارمر معارضته السابقة لعودة بورنهام إلى البرلمان، لا تزال هناك احتمالات لمقاومته أي محاولة لإبعاده عن رئاسة الحكومة. وفي المقابل، أقر وزير البيئة ستيف ريد، أحد أبرز حلفاء ستارمر، بأن رئيس الوزراء يعاني من تراجع شعبيته، لكنه شدد على ضرورة تجنب تكرار حالة عدم الاستقرار القيادي التي أضرت بحزب المحافظين سابقاً. من جهة أخرى، أعلن وزير الصحة السابق ويس ستريتينغ، الذي استقال هذا الأسبوع دون أن يترشح ضد ستارمر، دعمه الصريح لبورنهام، مؤكداً أن الحزب بحاجة إلى “أفضل لاعبيه في الملعب”.
الرؤية المانشسترية في مواجهة صعود اليمين
من المنتظر أن يطرح بورنهام خلال الأيام المقبلة رؤيته السياسية الجديدة المسماة “المانشسترية”، والتي تقوم على تعزيز ارتباط المواطنين بمجتمعاتهم المحلية، مع تصور لتطبيق هذا النموذج على مستوى البلاد. وتأتي هذه الرؤية كحائط صد أمام تنامي شعبية حزب “ريفورم يو كيه” (إصلاح بريطانيا) اليميني بقيادة نايجل فاراج. أكدت نائبة زعيم حزب العمال، لوسي باول، أن ميكرفيلد تمثل مواجهة مباشرة بين العمال وريفورم، مشيرة إلى أن شعبية بورنهام وقصته الشخصية ستكون حاسمة. وتشير التحليلات إلى أن بورنهام قد يمنح العمال فرصة للفوز بنسبة 45% مقابل 43% لصالح ريفورم.
معركة رمزية على مستقبل بريطانيا
يرى مراقبون أن هذه الانتخابات الفرعية قد تتحول إلى معركة رمزية على مستقبل بريطانيا السياسي. ويعتقد نيل لوسون، أحد مستشاري بورنهام، أن الأخير يمتلك جاذبية انتخابية فريدة تمكنه من استقطاب أصوات ناخبي الخضر وريفورم معاً. ومع ذلك، يبقى القلق قائماً من أن إعلان حزب الخضر خوضه المنافسة قد يؤدي إلى تشتيت الأصوات المعارضة لليمين. وفي النهاية، يدرك الجميع أن خسارة بورنهام في هذه المعركة قد تشكل ضربة قاسية لطموحاته الوطنية، خاصة أن دائرة ميكرفيلد تُعد من أكثر المناطق التي تشهد غضباً شعبياً تجاه السياسة التقليدية.


