في خطوة تعكس الجهود المستمرة لتعزيز التواصل الديني والثقافي، ترأس الأمين العام لرابطة العالم الإسلامي ورئيس هيئة علماء المسلمين، الشيخ الدكتور محمد بن عبدالكريم العيسى، في العاصمة الأمريكية واشنطن، الجلسة الثالثة لـ مجلس القيادات الإسلامية في أمريكا الشمالية والجنوبية. يأتي هذا الاجتماع في وقت بالغ الأهمية لتعزيز الحوار ومناقشة القضايا التي تهم الأقليات المسلمة في الأمريكتين.

السياق التاريخي وانطلاق مجلس القيادات الإسلامية
يعود تأسيس هذا المجلس إلى الجهود الحثيثة التي تبذلها رابطة العالم الإسلامي لتوحيد صفوف القيادات الإسلامية في المهجر. وقد تم تأسيس المجلس بناءً على المضامين العميقة لـ «وثيقة مكة المكرمة» التي صدرت عام 2019، والتي تعد دستوراً تاريخياً يرسخ قيم التعايش والسلام. وفي أعقاب المؤتمر التأسيسي العام الذي انعقد في واشنطن خلال شهر مارس من عام 2022، تم اختيار الدكتور محمد العيسى رئيساً للمجلس. جاء هذا الاختيار تقديراً لدوره المحوري في الدعوة لإنشائه، ولما يمثله من شخصية توافقية تحظى باحترام واسع. وقد شهد المؤتمر التأسيسي حضوراً لافتاً من القيادات الإسلامية في الأمريكتين، إلى جانب دعم حكومي وبرلماني أمريكي، ومشاركة واسعة من قيادات التنوع الديني، مما أضفى على المجلس صبغة دولية ومؤسسية رصينة، مع انضمام شخصيات إسلامية مؤثرة من خارج الأمريكتين.
أهمية الحدث وتأثيره الإقليمي والدولي
تتجلى أهمية انعقاد الجلسة الثالثة للمجلس في دورها الاستراتيجي بتعزيز الوجود الإسلامي الإيجابي والفاعل في المجتمعات الغربية. على الصعيد المحلي في الأمريكتين، يساهم المجلس في توحيد الرؤى بين المؤسسات الإسلامية، مما يعزز من قدرتها على خدمة مجتمعاتها بفعالية. أما إقليمياً ودولياً، فإن مخرجات هذا المجلس ترسل رسالة واضحة للعالم أجمع بأن الإسلام دين اعتدال وسلام، وتساهم في بناء جسور الثقة مع صناع القرار والمؤسسات الدينية الأخرى. هذا التأثير يمتد ليشمل تقديم نموذج يحتذى به للأقليات المسلمة في قارات أخرى، مؤكداً على أهمية الاندماج الإيجابي الذي يحافظ على الثوابت الدينية ويحترم دساتير الدول الوطنية.
الهوية الدينية والوطنية: اندماج إيجابي وتوافق
خلال الجلسة، طرح الرئيس والأعضاء عدداً من الموضوعات الحيوية، كان أبرزها مسألة الهوية الدينية والوطنية. وفي هذا السياق، أكد الدكتور العيسى بوضوح أنه لا يوجد أي تعارض بين الانتماء الديني والوطني في ظل الدساتير والقوانين المتحضرة التي تكفل حرية المعتقد وتحترم الخصوصية الدينية. وشدد على أن أصحاب الأفكار المتطرفة هم من يحاولون افتعال هذا التعارض الوهمي لخدمة أجنداتهم. كما أشاد بالمكون الإسلامي الأمريكي الذي نجح في النأي بنفسه عن أيديولوجيات الجماعات المتطرفة التي شوهت صورة الإسلام لتحقيق أهداف سياسية ضيقة. وأوضح أن المسلمين في أمريكا يمثلون مصدر اعتزاز، حيث جسدوا قيم الاعتدال والتسامح والتعايش، مع التزامهم التام باحترام النظام العام والقوانين، مما أسهم بشكل فاعل في دعم التماسك المجتمعي.
مكافحة الإسلاموفوبيا وتصحيح المفاهيم الخاطئة
لم تغفل الجلسة التطرق إلى التحديات المعاصرة، حيث تم تناول موضوع الكراهية بشكل عام، وظاهرة «الإسلاموفوبيا» على وجه الخصوص. أكد العيسى أن القوانين المتحضرة تقف سداً منيعاً أمام ممارسات الكراهية، معرباً عن فخره بمشاركة المكون الإسلامي في التصدي لكافة أشكال الكراهية والشعارات العنصرية، بغض النظر عن مصدرها أو الفئة المستهدفة بها. وفي ختام الجلسة، تمت مناقشة عدد من المصطلحات الإسلامية التي تتعرض لسوء الفهم. واستعرض العيسى، استناداً إلى استطلاعات دولية، نماذج من هذه المفاهيم الخاطئة، مقدماً شرحاً علمياً موثقاً بالنصوص الشرعية والسرد التاريخي لتصحيحها، ومبيناً أفضل السبل المنهجية للتصدي لحملات التشويه التي تستهدف الدين الإسلامي الحنيف.


