فرحة العيد على إيقاع التراث
تتجسد فرحة العيد في المملكة العربية السعودية بأشكال متعددة، ولكن تظل منطقة حائل تتميز بطابعها الخاص الذي يمزج بين عبق الماضي وفرحة الحاضر. ترتفع في أحياء حائل مع إشراقة صباح العيد نداءات الفرح، ويعلو صوت الطبول في الساحات والميادين العامة، حيث تتقدم الفنون الشعبية، وتحديداً العرضة والسامري في حائل، واجهة المشهد الثقافي. تُعد هذه الفنون عنواناً حياً للهوية الوطنية والاحتفال، في لحظة استثنائية تتداخل فيها الأهازيج التراثية مع حركة السيوف اللامعة وإيقاع «الدمام» الأصيل.
السياق التاريخي: من ساحات المعارك إلى منصات الاحتفال
ولفهم عمق هذا المشهد، يجب النظر إلى السياق العام والخلفية التاريخية لهذه الفنون. فالعرضة السعودية، التي كانت تُعرف قديماً بـ «عرضة الحرب»، كانت تُؤدى لبث الحماس في نفوس الفرسان قبل المعارك. أما اليوم، فقد تحولت إلى رمز للسلام والولاء والاحتفال بالانتصارات والأعياد، حتى أنها أُدرجت ضمن القائمة التمثيلية للتراث الثقافي غير المادي للبشرية لدى منظمة اليونسكو. من جهة أخرى، يبرز فن «السامري» كأحد أهم الفنون الغنائية الجماعية في شبه الجزيرة العربية، والذي يعتمد على الدفوف والقصائد النبطية، ويمثل جزءاً لا يتجزأ من الذاكرة الثقافية لأهالي منطقة حائل ونجد.
لوحة فنية من التراث الحائلي
في مواقع التجمع بحائل، تصطف الصفوف في مشهد هندسي منظم، تتمايل فيه الخطوات على إيقاع الطبول، وترتفع الرايات الخضراء في لوحة فنية تعكس قوة الترابط الاجتماعي وامتداد الموروث الشعبي في تفاصيل العيد. يتقدم المشاركون بزيهم التقليدي الفاخر، حيث يرتدون «البشت» و«الثوب» و«العقال المقصب»، في حضور بصري مهيب يوازي قوة الصوت والأداء الحركي.
وتحضر القصيدة الشعبية بوصفها جزءاً أصيلاً وركيزة أساسية من هذا المشهد، ترددها الحناجر مع إيقاع الطبول المتناغم، فتمنح العرضة روحها، وتربطها بتاريخ المنطقة وهويتها العريقة. ومن أبرز ما يُردد في هذه المناسبات:
دقوا الدمام تكفون هذا اليوم عيد
عرضةٍ لعيال شمر نجيد فنونها
نلبس الأكوات والبشت والثوب الجديد
والعذارى كلهن يلبسن مزيونها
من جبل حايل نحييكم بالصوت المديد
حتى حايل يوم جينا تزايد نورها
أتكرم من كرمها وأنا عنها بعيد
لابتي هم لابتي من قديم عصورها
أهمية الحدث: أبعاد ثقافية واجتماعية
ويمتد حضور الفنون الشعبية ليشمل «السامري»، حيث تتقابل الصفوف في تناغم صوتي وحركي فريد، وتتردد الأهازيج في إيقاع يعبّر عن الفرح والانتماء، في مشهد يبرز تنوع الموروث الثقافي في حائل.
إن أهمية هذا الحدث تتجاوز مجرد الاحتفال العابر، لتمتد إلى تأثيرات عميقة على مستويات عدة. محلياً، تعزز هذه الفنون من تلاحم المجتمع الحائلي وتنقل القيم الأصيلة للأجيال الشابة. وإقليمياً ووطنياً، يتماشى إحياء العرضة والسامري مع مستهدفات رؤية السعودية 2030، التي تؤكد على أهمية المحافظة على التراث والاعتزاز بالهوية الوطنية. أما دولياً، فإن توثيق ونشر هذه الاحتفالات يسهم في تعزيز القوة الناعمة للمملكة، ويجذب السياح والمهتمين بالأنثروبولوجيا الثقافية لاكتشاف ثراء الفنون الأدائية السعودية.
خاتمة: العيد تجربة جماعية
المشاركة الواسعة من مختلف الأعمار تعزز حضور هذه الفنون، حيث تتحول الساحات إلى فضاءات مفتوحة للاحتفال، يتداخل فيها الأداء الجماعي مع روح المناسبة، وتُستعاد عبرها قيم الأصالة. في حائل، يكتمل العيد حين يتردد صوت الطبول، وتُرفع السيوف، وتُنشَد القصائد، في صورة تختصر حكاية مجتمع يحتفي بتراثه، ويقدّم الفرح بوصفه تجربة جماعية تتجدد في كل عام.


