كشفت الطبعة الثانية المزيدة والمنقحة من كتاب “أديب الشيشكلي.. الحقيقة المغيبة” عن وثائق قضائية وتاريخية تُنشر للمرة الأولى حول ملف اغتيال الرئيس السوري الأسبق أديب الشيشكلي في منفاه بالبرازيل قبل نحو 60 عاماً. وصدر الكتاب عن دار “رياض الريس للكتب والنشر” في بيروت للمؤلفين بسام برازي وسعد فنصة، وجاء في 575 صفحة معززة بالصور والشهادات الجديدة.
وثائق المحاكمة البرازيلية
أوضح المؤلف بسام برازي، ابن شقيقة الشيشكلي، أن صدور الطبعة الأولى عام 2020 أثار نقاشاً دفع بالبحث عن ملف المحاكمة القضائية في البرازيل لتوثيق حادثة الاغتيال التي وقعت في 27 سبتمبر 1964 بولاية غوياس. وتمكن الباحثون من الحصول على نسخة من ملف المحاكمة البالغ أكثر من 1200 صفحة باللغة البرتغالية قبل إتلافه، حيث جرى رقمنته وحفظ أصله الورقي في متحف المحكمة البرازيلية، ثم تُرجم إلى الإنجليزية عبر جهة متخصصة.
وتكشف الوثائق تفاصيل دفاع المتهم بالقتل، والمرافعات أمام القضاء، والظروف التي أدت لنقل المحاكمة من بلدة الجريمة، بالإضافة إلى مواد صحفية ومقابلة لصحيفة “Correio Braziliense” البرازيلية مع تامر بسام البرازي الذي تابع الحصول على الملف.
ملفات سياسية وصراعات دولية
يتجاوز الكتاب وثائق المحاكمة إلى ضم نحو ألفي وثيقة من أرشيف وزارات خارجية الولايات المتحدة وفرنسا وبريطانيا، تتناول صراعات النفوذ الإقليمي والدولي في سوريا إبان فترة حكم الشيشكلي. ويربط الكتاب بين انقلاب الشيشكلي في 19 ديسمبر 1949 ومعارضته لمشروع الوحدة مع العراق الملكي، وتخوفه من تحركات قائد الانقلاب السابق سامي الحناوي وحزب الشعب لربط سوريا بالنظام الهاشمي.
كما يستعرض الكتاب علاقات الشيشكلي بالإدارة الأمريكية في عهد الرئيس دوايت أيزنهاور ووزير خارجيته جون فوستر دالاس، مبيناً الخلافات حول قضايا المنطقة والترتيبات الدفاعية وإسرائيل، حيث نقل المؤلفان عن الشيشكلي قوله لدالاس عام 1953 إنه يرى استحالة هزيمة إسرائيل عسكرياً في تلك الظروف مع إمكانية مواجهتها اقتصادياً.
أحداث جبل الدروز وأسباب مغادرة السلطة
يتطرق الكتاب إلى أحداث جبل الدروز في خمسينيات القرن الماضي، مستنداً إلى تقارير تحمل أسماء مسؤولين عاصروا الأحداث، مثل قائد درك السويداء عادل البغدادي ومحافظها رفعت زريق. ويجادل المؤلفان بأن هذه الوثائق تقدم أرقاماً وروايات تختلف عن تلك التي طرحتها هيئة الدفاع خلال المحاكمة، مما يتيح إعادة مناقشة المسؤوليات.
وحول مغادرته السلطة عام 1954، يشير الكتاب إلى أن الشيشكلي كان يمتلك وحدات عسكرية قادرة على المواجهة، لكنه اختار الاستقالة وتجنب الصدام العسكري منعاً لنشوب حرب أهلية. وتستشهد الدراسة بوثيقة فرنسية مؤرخة في 27 فبراير 1954 تتناول دور الرئيس اللبناني كميل شمعون في الأزمة، ومغادرة الشيشكلي إلى السعودية على متن طائرة أرسلها الملك سعود بن عبدالعزيز.
السياسات الاقتصادية والشخصية الإشكالية
يعرض الكتاب جوانب من السياسات الاقتصادية للشيشكلي، مثل تشجيع الاستثمار، وتنظيم الموازنة العامة، ودعم الصناعة المحلية وزيادة الإنتاج ومواجهة الاحتكار، متأثراً بأفكار الخبير الألماني يالمار شاخت، ومستفيداً من خلفيته الدراسية في المدرسة الزراعية بالسلمية.
ويقر المؤلف بسام برازي بالطابع الإشكالي لشخصية الشيشكلي (المولود في حماة عام 1909 واغتيل بعمر 54 عاماً دون ترك مذكرات شخصية)، مؤكداً أن الكتاب يسعى لتقديم قراءة منصفة وإعادة فتح النقاش التاريخي حول مسيرته التي بدأت كعقيد في الجيش وصولاً إلى رئاسة الجمهورية عام 1953.


