يُعد عبدالمحسن الحربي، نائب رئيس مجلس الجمعيات الأهلية والأمين العام لجمعية «تكافل» لرعاية الأيتام، أحد أبرز القيادات المؤثرة في مشهد العمل الخيري والتنموي بالمدينة المنورة. تأتي جهوده في وقت يشهد فيه القطاع غير الربحي في المملكة العربية السعودية تحولات جذرية تواكب مستهدفات رؤية 2030، التي تسعى لرفع مساهمة هذا القطاع في الناتج المحلي الإجمالي وتعزيز أثره الاجتماعي والاقتصادي.
عبدالمحسن الحربي ومستقبل القطاع غير الربحي
في سياق الحديث عن تطور العمل الإنساني، يؤكد عبدالمحسن الحربي أن المدينة المنورة، بفضل مكانتها التاريخية والدينية، لطالما كانت منطلقاً لمفاهيم الوقف والعطاء. ومع ذلك، فإن المرحلة الحالية تتطلب الانتقال من الاجتهادات الفردية والعاطفة المجردة إلى العمل المؤسسي المنظم. ويشير الحربي إلى أن جمعية «تكافل» تبنت نموذجاً يوسع مفهوم البذل ليشمل «التمكين» بدلاً من الاكتفاء بـ «الإغاثة»، وذلك عبر رقمنة التبرعات وحوكمتها، واستحداث برامج وقفية مبتكرة تضمن الاستدامة المالية.
الشفافية والحوكمة: ركائز التحول الوطني
شهد قطاع الأوقاف والجمعيات الخيرية في السنوات الأخيرة قفزة نوعية بدعم من المركز الوطني للقطاع غير الربحي. ويوضح الحربي أن الالتزام بالشفافية المطلقة والمعايير العالمية في الحوكمة أصبح سمة بارزة، حيث تتنافس الجمعيات اليوم على جوائز التميز والجودة. هذا التحول لم يعزز الثقة لدى المانحين فحسب، بل ساهم في تحويل التبرعات المتقطعة إلى «استثمار اجتماعي» ذي أثر طويل المدى، مما يقلل الاعتماد الكامل على الدعم الحكومي المباشر ويخلق كيانات قادرة على النمو الذاتي.
وقف الشفاء: تكامل صحي لخدمة ضيوف الرحمن
على صعيد الأثر الصحي والمجتمعي، يبرز «وقف الشفاء الصحي» كنموذج رائد يسد فجوات دقيقة في النظام الصحي، متكاملاً معه لا منافساً له. وبدعم من الأمير فيصل بن سلمان، حقق الوقف نجاحات ملموسة في خدمة الفئات الأشد احتياجاً، بمن فيهم ضيوف الرحمن من غير السعوديين. تشير الأرقام إلى تقديم آلاف الخدمات الطبية المتخصصة، بدءاً من الجراحات الدقيقة وصولاً إلى علاج الأورام وغسيل الكلى، بنسب رضا مرتفعة وأوقات انتظار قياسية، مما يعكس البعد الإنساني العالمي للمملكة في رعاية زوار الحرمين الشريفين.
بين الأثر الإنساني والاستدامة المالية
وحول التحدي المتمثل في الموازنة بين تعظيم الأثر الخيري والاستقرار المالي، يرى الحربي أن الحل يكمن في الإدارة بعقلية مؤسسية. ففي «تكافل»، تم ابتكار أصول وقفية منتجة تضمن تدفقات مالية مستمرة، مما يسمح للجمعية بالتركيز على رسالتها السامية دون قلق دائم بشأن الموارد التشغيلية. هذا التوازن هو ما يسمح بتحويل اليتيم من مجرد متلقٍ للمساعدة إلى عنصر منتج وفاعل في المجتمع، حيث وصل العديد من أبناء الجمعية إلى وظائف مرموقة كأطباء ومهندسين.
لمسة إنسانية: «عدتُ لماضٍ كنت أعيشه مع أبي»
وفي ختام حديثه، استذكر الحربي موقفاً مؤثراً يلخص جوهر عملهم، حين كتبت إحدى الفتيات المستفيدات بعد رحلة عمرة نظمتها الجمعية: «عدتُ لماضٍ كنت أعيشه مع أبي». هذه العبارة البسيطة والعميقة تؤكد أن الهدف الأسمى ليس مجرد الدعم المادي، بل ترميم المشاعر وتعويض الفقد، وهو ما يجعل العمل في هذا القطاع، خاصة في مواسم الخير كشهر رمضان، مسؤولية مضاعفة واصطفاءً ربانياً لخدمة فئات غالية على المجتمع.


