أظهرت وثائق رسمية أمريكية صادرة بين عامي 1945 و1990، من بينها مراسلات وزارة الخارجية وتقارير وزارة الدفاع وبعثة التدريب العسكري الأمريكية (USMTM)، أن تحديث القوات المسلحة السعودية كان عملية مؤسسية وسياسية امتدت لعقود، ولم يقتصر على صفقات السلاح وعائدات النفط. وبيّنت الوثائق، إلى جانب ما وثقه الباحث توماس و. ليبمان في كتابه “داخل السراب”، أن عملية التحديث ارتكزت على تحديد الاحتياجات الدفاعية وإعداد الضباط وتطوير المنظومات اللوجستية والبنية التحتية.
بدايات التخطيط والتعاون العسكري
بدأ التحول من القوات القتالية التي اعتمد عليها الملك عبدالعزيز في مرحلة التوحيد إلى التنظيم العسكري الحديث مع نهاية الحرب العالمية الثانية عام 1945. وأوضحت مذكرة أمريكية مؤرخة في 9 يوليو 1951 أن الاتصالات السعودية لبناء قوة جوية وتوسيع التدريب وإنشاء مرافق الصيانة بدأت قبل ذلك بأكثر من أربع سنوات. وعقب زيارة بعثة عسكرية أمريكية للمملكة ولقائها الملك عبدالعزيز ووزير الدفاع، وافق الأخير في أغسطس 1951 على مقترحات إعادة تنظيم الجيش وبرنامج تدريبي يمتد لخمس سنوات.
إعداد الكوادر والخيارات التسليحية
أسهم تأسيس بعثة التدريب العسكري الأمريكية عام 1951 في تقديم المشورة الفنية وتأهيل الكوادر الوطنية. وأشارت وثيقة من عام 1967 إلى أن البعثة ضمت نحو 235 فردًا أمريكيًا ومولت تدريب مئة ضابط سعودي سنوياً في الولايات المتحدة. وتضمنت مفاوضات الستينيات مناقشة عروض مقاتلات F-104 وF-5 وخيارات بريطانية وفرنسية، حيث رَجّح الجانب الأمريكي مقاتلة F-5 لسهولة تشغيلها ولتوفير فارق تكلفة يصل إلى 35 مليون دولار لثلاثة أسراب. وفي عام 1976، استهدف برنامج طائرات F-5 تدريب 200 طيار و1200 فني سعودي.
تحديث الحرس الوطني والمدن العسكرية
شمل التطوير المؤسسي الحرس الوطني عبر اتفاق بين الحكومتين السعودية والأمريكية عام 1973، وتولّت شركة “فينيل” الأمريكية مهام التدريب ضمن برنامج أتمت أولى كتائبه التدريب في أكتوبر 1976. كما استعانت المملكة بسلاح المهندسين في الجيش الأمريكي لتنفيذ برنامج تصميم وإشراف هندسي بقيمة 14 مليار دولار، شمل إنشاء المدن العسكرية مثل مدينة الملك خالد العسكرية والقواعد الجوية والبحرية، ما أدى لإنشاء قسم خاص بالشرق الأوسط مقره الرياض عام 1976.
اختبار حرب الخليج
شكل اجتياح القوات العراقية للكويت في 2 أغسطس 1990 اختبارًا ميدانيًا للمؤسسة العسكرية السعودية، حيث أتاحت البنية التحتية والقواعد المطورة استقبال قوات التحالف الدولي في عملية “درع الصحراء” وتوفير الإسناد اللوجستي لها، قبل المشاركة الفاعلة في العمليات العسكرية عام 1991.


