دخلت الاحتجاجات في العاصمة الليبية طرابلس مرحلة جديدة من التصعيد، مع إعلان “حراك أهالي تاجوراء” بدء عصيان مدني في طرابلس وإغلاق عدد من المؤسسات الحكومية الحيوية. تأتي هذه الخطوة كرسالة احتجاج قوية ضد تردي الخدمات العامة واستمرار أزمة الكهرباء التي أرهقت المواطنين، لتزيد من الضغوط السياسية والشعبية على حكومة الوحدة الوطنية برئاسة عبدالحميد الدبيبة.
وشملت الحركة الاحتجاجية إغلاق مقار ومرافق حكومية رئيسية، حيث أقام المحتجون سواتر ترابية لمنع الوصول إلى مقر المجلس البلدي في تاجوراء، ومبنى البريد، وفرع مصرف الجمهورية، بالإضافة إلى مقر جهاز الإسكان والمرافق. وأكد المحتجون عزمهم على مواصلة التصعيد حتى تستجيب السلطات لمطالبهم المشروعة بتحسين الخدمات الأساسية ووضع حد لمعاناتهم اليومية.
جذور الأزمة: انقسام سياسي يغذي السخط العام
لا يمكن فصل هذه الاحتجاجات عن السياق السياسي المعقد الذي تعيشه ليبيا منذ سنوات. فبعد الإطاحة بنظام معمر القذافي في عام 2011، دخلت البلاد في دوامة من عدم الاستقرار والانقسام المؤسسي. وتتجلى الأزمة الحالية في وجود حكومتين متنافستين: حكومة الوحدة الوطنية المعترف بها دولياً في طرابلس، وحكومة أخرى مكلفة من قبل مجلس النواب في شرق البلاد. هذا الانقسام السياسي العميق أدى إلى شلل في عملية صنع القرار وتوزيع الموارد، مما انعكس سلباً على حياة المواطنين في شكل نقص حاد في الخدمات الأساسية مثل الكهرباء والوقود والسيولة النقدية.
وقد تفاقمت أزمة الكهرباء بشكل خاص خلال أشهر الصيف، مع وصول ساعات انقطاع التيار إلى مستويات قياسية، الأمر الذي أثار موجة غضب واسعة لم تقتصر على طرابلس وحدها، بل امتدت إلى مدن أخرى. يرى المواطنون أن الطبقة السياسية الحاكمة، بشقيها المتنافسين، فشلت في إدارة موارد الدولة بشكل فعال وتلبية أبسط احتياجاتهم، مما جعل الشارع هو المتنفس الوحيد للتعبير عن هذا الإحباط المتراكم.
تصاعد الغضب الشعبي وتفاصيل العصيان المدني في طرابلس
لم يقتصر الحراك على إغلاق المؤسسات الخدمية، بل امتد ليشمل قطع طرق رئيسية في العاصمة، من بينها طريق الشط والطريق السريع المؤدي إلى منطقة المشتل من جهة طريق المطار، بالإضافة إلى طرق في مناطق عين زارة والغيران. كما أضرم المحتجون النار في الإطارات، مما تسبب في اضطراب كبير في حركة المرور وشلّ أجزاء واسعة من المدينة. وتأتي هذه التحركات ضمن موجة احتجاجات أوسع شهدتها طرابلس خلال الأيام الماضية، حيث طالب المتظاهرون بإسقاط حكومة الدبيبة، متهمين إياها بالفشل في معالجة الأوضاع المعيشية والاقتصادية المتردية.
إن اتساع رقعة الاحتجاجات لتشمل إغلاق مقر وزارة الخارجية والتعاون الدولي، ووزارة الشباب، وشركة الاتصالات القابضة، يمثل مؤشراً خطيراً على مدى تآكل ثقة الشارع في الحكومة وقدرتها على إدارة شؤون البلاد. هذه التطورات تضع حكومة الوحدة الوطنية أمام تحدٍ وجودي، حيث إن استمرار حالة الشلل قد يدفع البلاد نحو مزيد من الفوضى، ويفتح الباب أمام تداعيات أمنية وسياسية يصعب التنبؤ بآثارها على المشهد الليبي الهش أصلاً.


