في خضم التوترات المتصاعدة في منطقة الشرق الأوسط، أكدت طهران استمرار تبادل الرسائل مع واشنطن عبر قنوات دبلوماسية غير مباشرة، مشددة على تمسكها بالحلول السياسية مع رفضها القاطع لأي محاولة أمريكية لفرض الهيمنة على الممرات المائية الحيوية في الخليج. وتأتي هذه التصريحات في وقت يشهد فيه الإقليم تصعيداً عسكرياً، مما يبرز الطبيعة المزدوجة للعلاقات بين البلدين، حيث تت并行 المسارات العسكرية مع قنوات الاتصال الخلفية لتجنب الانزلاق نحو مواجهة شاملة.
وقال المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية، إسماعيل بقائي، اليوم الإثنين، إن تبادل الرسائل بين طهران وواشنطن لا يزال مستمراً، كما يواصل الوسطاء تحركاتهم، في مؤشر على بقاء قنوات التواصل مفتوحة رغم التوتر العسكري، بحسب ما نقلته وكالة «رويترز». وتزامنت هذه التصريحات مع تأكيد نائب وزير الخارجية الإيراني، سعيد خطيب زاده، على أن بلاده ملتزمة بالدبلوماسية والحوار العادل لحل الأزمات، مشيراً إلى أن إيران تدعم المسارات السياسية.
قنوات خلفية في أوقات الأزمات: تاريخ من التواصل غير المباشر
لم تكن قنوات الاتصال غير المباشرة بين إيران والولايات المتحدة وليدة اللحظة، بل هي سمة أساسية للعلاقة بين البلدين منذ قطع العلاقات الدبلوماسية الرسمية عقب الثورة الإسلامية عام 1979. تاريخياً، لعبت دول مثل سلطنة عُمان وقطر وسويسرا (التي ترعى المصالح الأمريكية في طهران) دور الوسيط المحوري في نقل الرسائل وتسهيل المفاوضات السرية. وقد أثبتت هذه القنوات فعاليتها في فترات سابقة، حيث كانت أساسية في التوصل إلى الاتفاق النووي التاريخي (خطة العمل الشاملة المشتركة) في عام 2015، والذي مثل ذروة الدبلوماسية بين الجانبين قبل انسحاب واشنطن منه في 2018.
مضيق هرمز: شريان الطاقة العالمي ومحور الصراع
تأتي تصريحات خطيب زاده، التي أدلى بها خلال اجتماع لوزراء خارجية رابطة دول جنوب شرق آسيا (آسيان)، لتؤكد على التزام بلاده بضمان حرية الملاحة السلمية للسفن في مضيق هرمز، لكنه شدد على أنها «لن تسمح تحت أي ظرف للولايات المتحدة بفرض هيمنتها على الممرات المائية في الخليج العربي ومضيق هرمز». يمثل مضيق هرمز نقطة اختناق استراتيجية يمر عبرها ما يقرب من خُمس استهلاك النفط العالمي، مما يجعله ذا أهمية قصوى للاقتصاد العالمي. تعتبر إيران المضيق جزءاً لا يتجزأ من أمنها القومي، بينما ترى الولايات المتحدة أن حماية الملاحة فيه مسؤولية دولية تقع على عاتقها، وهو ما يخلق احتكاكاً مستمراً قد يؤدي إلى عواقب وخيمة على أسواق الطاقة العالمية واستقرار المنطقة.
دبلوماسية حذرة وسط التصعيد: ما أهمية تبادل الرسائل مع واشنطن؟
تكتسب أهمية تبادل الرسائل مع واشنطن زخماً خاصاً في ظل التصعيد الأخير، والذي شمل تنفيذ القيادة المركزية الأمريكية سلسلة ضربات استهدفت مواقع عسكرية إيرانية. وبينما تؤكد واشنطن أن عملياتها تهدف إلى حماية الملاحة الدولية وردع التهديدات التي تستهدف السفن التجارية في المنطقة، فإن استمرار الحوار غير المباشر يشير إلى رغبة لدى الطرفين في إدارة الصراع ومنع خروجه عن السيطرة. تعمل هذه الرسائل كصمام أمان لتبادل التحذيرات، وتوضيح الخطوط الحمراء، واستكشاف إمكانيات خفض التصعيد، حتى في غياب أي تقدم نحو تسوية سياسية شاملة للقضايا الخلافية العالقة، وعلى رأسها البرنامج النووي الإيراني ودور طهران الإقليمي.


